المغتربون البنغلاديشيون يصنعون سابقة ديمقراطية: التصويت من السعودية ودول الخليج لأول مرة

يصنع ملايين البنغلاديشيين المقيمين في الخارج لحظة فارقة في تاريخ بلادهم السياسي، بعدما أُتيح لهم التصويت عبر البريد من المملكة العربية السعودية ودول الخليج للمرة الأولى، في خطوة طال انتظارها أنهت عقودًا من الإقصاء العملي لأحد أكبر مكونات القوة العاملة البنغلاديشية.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز، جاءت هذه الخطوة ضمن ترتيبات الانتخابات الوطنية الجارية في بنغلاديش، حيث تمكن العمال المغتربون من الإدلاء بأصواتهم دون الحاجة إلى العودة إلى البلاد، وهي رحلة كانت شبه مستحيلة لكثيرين بسبب تكلفتها وشروط العمل الصارمة في دول الاستقبال.
ويجسد مينول إسلام، عامل بناء يبلغ من العمر 34 عامًا ويعمل في المملكة العربية السعودية، قصة آلاف العمال. فرحلته المعتادة من قريته في شمال غرب بنغلاديش إلى الدمام تمر بمحطات مرهقة، تبدأ بقطار طويل إلى دكا وتنتهي بمعاناة في المطار.
يقول إسلام إن المرور عبر مطار دكا الدولي هو “الجزء الأكثر رعبًا” في الرحلة، مشيرًا إلى مضايقات متكررة وعمليات تفتيش يعتبرها مهينة.
لكن هذه المرة مختلفة. إسلام صوّت من مكان عمله في السعودية، مؤكّدًا أن هذه قد تكون آخر مرة يضطر فيها إلى تحمل تلك المعاناة من أجل ممارسة حقه السياسي.
ولطالما حُرم العمال البنغلاديشيون في الخارج فعليًا من المشاركة الديمقراطية. وعلى الرغم من أنهم يرسلون مليارات الدولارات سنويًا إلى بلادهم، فإن التصويت كان مشروطًا بالحضور الشخصي داخل بنغلاديش.
ورغم أن دستور البلاد لا يمنع صراحة تصويت غير المقيمين، فإن مرسومًا صدر عام 1982 اشترط أن يكون الناخب “مقيمًا عادة” في دائرته الانتخابية، ما جعل مشاركة المغتربين شبه مستحيلة.
صحيح أن قانون قوائم الناخبين لعام 2009 ألغى هذا القيد قانونيًا، إلا أن غياب الآليات العملية أبقى الحق حبرًا على ورق. ولم يتغير الوضع إلا بعد إقالة رئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة، حين أنشأت لجنة الإصلاح الانتخابي نظام اقتراع بريدي مدعوم بتطبيق للهواتف المحمولة.
وتشير البيانات الرسمية إلى تسجيل أكثر من 1.5 مليون مغترب بنغلاديشي للتصويت عبر البريد. ومن بينهم نحو 239 ألف ناخب في السعودية وحدها، من أصل ما يُقدّر بنحو 3.5 مليون عامل بنغلاديشي يعيشون ويعملون هناك. وتكشف هذه الأرقام حجم الفجوة بين عدد المؤهلين وعدد المسجلين فعليًا.
ويرجع خبراء هذا الانخفاض إلى صعوبات التسجيل عبر السفارات، والظروف المعيشية القاسية لكثير من العمال في الخليج، حيث يقيم العديد منهم في مساكن مكتظة ولا يملكون عناوين ثابتة، ما يعقّد إجراءات التسجيل واستلام بطاقات الاقتراع.
ويصف شريف الحسن، رئيس برنامج الهجرة في منظمة “براك” التنموية، هذه الخطوة بأنها “إنجاز تاريخي”، لأنها تعترف لأول مرة بأن صوت العمال المهاجرين جزء من المعادلة السياسية. لكنه يحذر في الوقت ذاته من اعتبارها نهاية الطريق.
ويؤكد الحسن أن ضعف التوعية، والمشاكل التقنية في التطبيق، وعدم استعداد المؤسسات الانتخابية بشكل كافٍ، كلها عوامل حدّت من الإقبال.
ويضيف أن كثيرًا من العمال غير المتعلمين أو غير المتمرسين بالتكنولوجيا يحتاجون إلى دعم مباشر وآليات أبسط تضمن أن يكون التصويت حقًا فعليًا لا إجراءً شكليًا.
كما يشير إلى أن الأحزاب السياسية البنغلاديشية تجاهلت الشتات إلى حد كبير في برامجها، رغم تأثيرهم الاقتصادي الهائل. ويرى أن الاعتراف الحقيقي بدورهم يجب أن يشمل سياسات تحمي كرامتهم قبل الهجرة وأثناءها وبعدها.
وبالنسبة لمينول إسلام، التجربة تحمل معنى شخصيًا عميقًا. فبعد إدلائه بصوته، تلقّى تأكيدًا عبر التطبيق بوصول بطاقته الانتخابية. يقول: “للمرة الأولى أشعر أن عملي وصوتي مهمان. آمل أن تكون هذه مجرد البداية”.
وبين التفاؤل الشعبي والتحديات العملية، تمثل مشاركة البنغلاديشيين في الخارج منعطفًا ديمقراطيًا قد يعيد رسم علاقة الدولة بملايين من مواطنيها المنتشرين في الخليج والعالم.















