أكسيوس: قطر وتركيا في قلب الوساطة المعقدة لإنهاء حرب أوكرانيا

تدخل الحرب في أوكرانيا مرحلة دقيقة وحاسمة مع انكشاف ملامح خطة السلام الجديدة التي يدفع بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وتتضمن تنازلات إقليمية واسعة لروسيا في شرق أوكرانيا، وضمانات أمنية أمريكية لكييف وأوروبا، وإطارًا جديدًا للوساطة تُشكل فيه قطر وتركيا عنصرًا محوريًا.

وبحسب مسؤول أمريكي تحدث لوكالة أكسيوس، فإن خطة ترامب المؤلفة من 28 نقطة، تمنح موسكو السيطرة الكاملة على مناطق شرق أوكرانيا في لوغانسك ودونيتسك، رغم أن كييف لا تزال تسيطر على حوالي 14.5٪ من تلك المناطق.

ويبدو أن البيت الأبيض يرى، وفق تقديراته، أن أوكرانيا ستخسر المزيد من الأراضي إذا استمرت الحرب بالوتيرة الحالية، وأن “مصلحتها” تكمن في التوصل إلى تسوية الآن قبل أن تتفاقم الخسائر.

وتكشف مصادر أمريكية وأوروبية أن الانخراط القطري–التركي لم يأتِ من فراغ؛ فالبلدان راكما خلال السنوات الماضية خبرةً واسعة في الوساطة بين أطراف متصارعة، كان آخرها الدور المركزي في وقف حرب غزة.

وتقول مصادر مطلعة إن واشنطن ترى أن نجاح الدوحة وأنقرة في التوسط بين إسرائيل وحركة “حماس” أعطاهما صدقية وقدرة على النفاذ إلى ملفات أكثر تعقيداً، بما فيها الحرب الروسية–الأوكرانية.

وبحسب المصدر الذي نقلته أكسيوس، فإن “الوساطة القطرية والتركية التي ساعدت في إنهاء الحرب في غزة، يمكن أن تساعد أيضاً في إنهاء الحرب في أوكرانيا”.

ويتجاوز هذا التصور الدعم اللوجستي أو التنسيقي، إذ تشير المعلومات إلى مشاركة مباشرة لمسؤولين قطريين كبار في محادثات حساسة بين مبعوث ترامب ويتكوف ومستشار الأمن القومي الأوكراني رستم عمروف.

عمروف بين واشنطن وموسكو… والدوحة لاعب أساسي

يكشف مصدر رسمي أن زيلينسكي فوض مستشاره رستم عمروف للتفاوض مع ويتكوف. وتوضح المصادر أن عدة ملاحظات قدمها عمروف أدخلت فعليًا في نص الخطة الأمريكية، ما يعني وجود مستوى عالٍ من التفاعل بين الوسيطين العربي والتركي من جهة، والفريق الأمريكي من جهة أخرى.

وتشير مصادر إلى أن مسؤولا قطريًا كبيرًا حضر جزءًا من تلك المحادثات، مما عزّز قدرة الأطراف على بلورة نقاط مشتركة. كما سبقت تلك اللقاءات نقاشات بين ويتكوف والمبعوث الروسي كيريل دميترييف، ما وضع قطر وتركيا في موقع “الوسيط متعدد القنوات” الذي يستطيع التواصل مع جميع الأطراف دون حواجز سياسية.

ورغم ذلك، يؤكد مسؤول أوكراني أن كييف لم توافق على الخطة الأمريكية وأنها تتحفظ على عدة بنود، خاصة تلك المتعلقة بالتنازلات الإقليمية المقترحة.

تركيا: منصة اللقاءات الثلاثية… وتأجيل اللحظة الحاسمة

كانت أنقرة تستعد لاحتضان اجتماع ثلاثي حساس يجمع زيلينسكي ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان والمبعوث الأمريكي ويتكوف.

لكن الاجتماع أُجِّل بعد أن أظهر زيلينسكي تراجعًا عن التفاهمات الأولية، بحسب مصادر أمريكية، إذ وصل إلى تركيا وهو يحمل خطة بديلة صاغها مع شركاء أوروبيين، وهي خطة ترى واشنطن وموسكو أنها غير قابلة للتطبيق.

من جهة أخرى، تقول كييف إن سبب التأجيل يعود إلى رغبتها في توسيع دائرة النقاش لتشمل الدول الأوروبية، خاصة وأن أي اتفاق نهائي سيؤثر مباشرة على أمن أوروبا الشرقية.

لكن مصادر أمريكية تضيف سببًا آخر: أزمة سياسية داخلية في أوكرانيا مرتبطة بتحقيقات فساد تطال مقربين من زيلينسكي.

ورغم التباينات، يبقى لتركيا موقع فريد في الملف؛ فهي عضو في الناتو، وتُبقي قنواتها مفتوحة مع موسكو، وفي الوقت نفسه تربطها علاقة متينة مع كييف، وتنسق دبلوماسيًا مع واشنطن والدوحة، مما يمنحها قدرة خاصة على لعب دور “الجسر” بين المواقف المتباعدة.

قطر: الوسيط الهادئ الذي ينسج الخيوط الخلفية

في الكواليس، تلعب قطر دورا تكميليا لا يقل أهمية عن الدور التركي. فالدوحة، التي تحتفظ بعلاقات عملية مع موسكو وواشنطن وكييف، قادرة على تمرير رسائل دقيقة بين الأطراف.

ويتحدث مطلعون عن أن وجود قطر في هندسة الخطة الأمريكية يعطي مسار المفاوضات مصداقية إضافية، ويشجع كييف على الاستماع للضمانات الأمريكية دون خشية الوقوع تحت ضغط أحادي الجانب.

وتبرع قطر في الدبلوماسية “الهدوءة” القائمة على بناء الثقة وتسهيل مقاربات جديدة، وهو ما يجعل دورها جوهريًا في محاولة تقريب المواقف بين موسكو وكييف، خصوصًا في الملفات الحساسة مثل الضمانات الأمنية ومستقبل الأراضي المتنازع عليها.

وبين تراجع زيلينسكي عن التفاهمات الأولية، وحرص واشنطن على الدفع بخطة السلام، وتشبث روسيا بمكاسبها الميدانية، تبدو نافذة الحل السياسي ضيقة. ومع ذلك، فإن وجود قطر وتركيا في قلب الوساطة يمنح العملية فرصة واقعية؛ فهما الجهتان الوحيدتان القادرتان على التواصل المتوازن مع جميع الأطراف.

والكرة الآن في ملعب زيلينسكي، كما قال المسؤول الأمريكي. والدوحة وأنقرة تستعدان لجولة جديدة من الدبلوماسية الهادئة التي قد تحدد شكل مستقبل أوكرانيا والمنطقة بأسرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى