تحذير أمريكي للسفن يشعل القلق في مضيق هرمز ويضع الشحن الدولي على حافة الترقّب

أثار تحذير أمريكي جديد موجّه إلى السفن التي ترفع العلم الأمريكي موجة قلق واسعة في أوساط صناعة الشحن العالمية، مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة تسليط الضوء على هشاشة أحد أهم الممرات البحرية في العالم: مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وأصدرت واشنطن، يوم الاثنين الماضي، تحذيراً رسمياً دعت فيه السفن الأمريكية إلى تجنّب الاقتراب من المياه الإقليمية الإيرانية أثناء العبور عبر المضيق، في ظل ما وصفه محللون بـ“التهديد الموثوق” للملاحة في حال اندلاع أعمال عدائية.

ورغم أن الأسواق لم تُظهر رد فعل حاداً حتى الآن، إلا أن الخطوة الأمريكية رفعت مستوى التدقيق والحذر لدى مشغّلي السفن حول العالم.

ولا تمثل لولايات المتحدة سوى حصة محدودة من الشحن التجاري العالمي، خصوصاً في قطاع الحاويات، لكن خبراء يشددون على أن دلالات التحذير تتجاوز السفن الأمريكية.

فالغالبية العظمى من السفن العابرة لمضيق هرمز مملوكة أو تُشغَّل من قبل شركات غير أمريكية، ما يجعل أي تصعيد أمني أو سياسي عاملاً مؤثراً على حركة التجارة الدولية بأكملها.

ويقول جاكوب لارسن، رئيس قسم السلامة والأمن في جمعية الشحن البحري الدولية بيمكو، إن إيران تمثل “تهديداً حقيقياً” للملاحة في حال اندلاع مواجهة مباشرة.

وأضاف أن انتشار أنظمة أسلحة متطورة في المياه المحيطة بالمضيق يجعل السفن التجارية عرضة لمخاطر جدية، سواء بفعل الاستهداف المباشر أو نتيجة أخطاء في تحديد الهوية.

وحذّر لارسن، من أن أي سفينة لها صلات تجارية أو شخصية بالولايات المتحدة أو إسرائيل قد تكون في دائرة الخطر، مشيراً إلى أن “لا يوجد طريق بديل” لمضيق هرمز، بخلاف ما حدث في البحر الأحمر حيث غيّرت سفن كثيرة مسارها حول رأس الرجاء الصالح بعد هجمات الحوثيين.

من جهته، يرى محللو الائتمان أن المخاطر المرتبطة بالمضيق “كانت دائماً حاضرة”. ويقول ألكسندر بيرجيسي، نائب الرئيس وكبير مسؤولي الائتمان في موديز، إن التحذير الأمريكي لا يغيّر جذرياً من بيئة المخاطر الأساسية، لكنه يذكّر بأهمية هرمز كقناة استراتيجية يمكن أن تنتقل عبرها التوترات الجيوسياسية إلى أساسيات الائتمان والاقتصاد الإقليمي.

ويضيف بيرجيسي أن تعطيل الملاحة في المضيق لا يزال سيناريو منخفض الاحتمال لكنه عالي التأثير، لافتاً إلى أن هرمز يمثل إحدى أدوات الضغط القليلة المتاحة أمام إيران في مواجهة الضغوط الأمريكية المتزايدة، خاصة تلك المرتبطة بالبرنامج النووي.

ويأتي هذا التطور في سياق تصعيد سياسي وعسكري أوسع بين واشنطن وطهران. فقد أرسلت الولايات المتحدة خلال الأسابيع الماضية تعزيزات عسكرية إلى الشرق الأوسط، وسط مخاوف من اتساع رقعة المواجهة.

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، أسقطت القوات الأمريكية طائرة مسيّرة إيرانية قالت إنها اقتربت بشكل خطير من حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن في بحر العرب.

ورغم هذا التوتر، لا تزال القنوات الدبلوماسية مفتوحة. فقد جرت محادثات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها “جيدة جداً”، رغم أنه كان قد أمر في يونيو الماضي بشن ضربات على بنى تحتية نووية إيرانية.

على الصعيد العملي، بدأت شركات الشحن بتكييف عملياتها تحسباً لأي تصعيد. ويشير جنيد أنصاري، مدير استراتيجية الاستثمار والبحوث في كامكو إنفست، إلى أن بعض مشغلي ناقلات النفط العملاقة باتوا يُسرّعون عبورهم عبر نقاط الاختناق، فيما يعتمد آخرون على “مسارات هجينة” تجمع بين النقل البحري والجوي لتقليل المخاطر.

وأضاف أن شركات الشحن كثّفت استخدام تحليلات الذكاء الاصطناعي في الوقت الفعلي لرصد التهديدات والتنبؤ بالمخاطر، ما يسمح بتعديل المسارات بسرعة. لكنه شدد على أن القلق الأكبر لدى الشركات غير الأمريكية لا يرتبط بالأمن المادي فقط، بل بخطر التعرض للعقوبات الأمريكية.

وفي قطاع الحاويات، لا تزال الحركة مستقرة نسبياً. ويقول بيتر ساند، كبير المحللين في منصة تسعير الشحن Xeneta، إن السعة والخدمات إلى الخليج لم تتأثر حتى الآن، مشيراً إلى أن الأسعار انخفضت منذ مطلع 2026 بفعل تجاوز العرض للطلب.

لكن ساند يحذّر من أن هذا الاستقرار هشّ، وقد يتبدد سريعاً إذا تصاعدت حالة عدم اليقين. فمع كون معظم مالكي السفن كيانات أوروبية وآسيوية، فإن أي تغيير في مواقفهم قد يقود إلى ارتفاع حاد في تكاليف الشحن.

وفي ظل هذا المشهد المتوتر، تؤكد غرفة الشحن الدولية أن أولويتها القصوى هي سلامة البحارة واستمرار تدفق التجارة العالمية.

وبينما يستمر العبور عبر مضيق هرمز بحذر محسوب، يبقى هذا الممر البحري الحيوي نقطة ارتكاز لأي اضطراب قد يعيد رسم خريطة الشحن والطاقة في العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى