فرنسا تتحرك لتعزيز نفوذها في الخليج وتراهن على انتعاش اقتصادي سريع للمنطقة

تسعى فرنسا إلى توسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في الخليج، مع انتهاء مرحلة التصعيد العسكري المرتبط بالحرب مع إيران، وسط رهان فرنسي على قدرة دول المنطقة على التعافي السريع واستعادة زخم التجارة والاستثمار.

وتعمل باريس على تكثيف علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، بعد مرحلة دعمت خلالها شركاءها الخليجيين دفاعياً عبر إرسال أنظمة دفاع جوي خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قبل أن تنتقل إلى مرحلة جديدة تركز على الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار.

وقال وزير التجارة الخارجية الفرنسي نيكولا فوريسييه إن فرنسا كانت حاضرة خلال الأزمة من خلال علاقاتها واتفاقياتها، خصوصاً في المجال الدفاعي، لكنها ترى أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد تعزيزاً أكبر للتعاون في مجالات التجارة والتكنولوجيا والثقافة والصناعات الإبداعية.

وأضاف فوريسييه، خلال مشاركته في مؤتمر “رؤية الخليج” الذي جمع مسؤولين ورجال أعمال في باريس، أن تعزيز هذه الروابط يمثل أحد المسارات المهمة لبناء السلام والاستقرار بعد فترة من الاضطرابات الإقليمية.

ويأتي التحرك الفرنسي في توقيت حساس، بعدما تعرضت منطقة الخليج لتداعيات الحرب التي اندلعت في فبراير/شباط عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، وما تبعها من هجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت عدداً من دول المنطقة.

ورغم المخاطر الأمنية والاقتصادية التي رافقت الأزمة، أشاد مسؤولون فرنسيون بما وصفوه بقدرة دول الخليج على الصمود والتعامل مع تداعيات الحرب.

وقال لويس مارغريت، الرئيس التنفيذي لوكالة “بيزنس فرانس” الحكومية المعنية بدعم الاقتصاد الفرنسي دولياً، إن باريس تقف إلى جانب دول الخليج، مؤكداً أن الشركات الفرنسية مستمرة في التزامها تجاه المنطقة.

وأضاف أمام ممثلي دول مجلس التعاون الخليجي أن فرنسا لا تزال تؤمن بـ”الإمكانات الاستثنائية” للمنطقة، رغم التوترات الأخيرة، معتبراً أن دول الخليج قادرة على تجاوز الأزمة وتحقيق انتعاش قوي خلال المرحلة المقبلة.

وتزامنت التصريحات الفرنسية مع تطورات دبلوماسية جديدة بعد توقيع الولايات المتحدة وإيران اتفاقاً إطارياً يهدف إلى إنهاء المواجهة العسكرية وفتح مسار تفاوضي يستمر 60 يوماً للتوصل إلى تسوية أوسع.

ويتضمن الاتفاق وقفاً فورياً للأعمال العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وهو الممر الحيوي الذي تسبب تعطله خلال الأزمة في اضطرابات كبيرة بأسواق الطاقة العالمية.

ووصف مسؤولون فرنسيون الاتفاق بأنه “بصيص أمل” نحو إعادة الاستقرار إلى الخليج، خصوصاً بعد الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها أسواق النفط والغاز نتيجة التصعيد العسكري.

وقال وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي رولاند ليسكور إن الأيام الأخيرة شهدت لحظات “تاريخية”، مشيراً إلى أن الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يشكل نقطة تحول بعد أسابيع صعبة مرت بها المنطقة.

وأوضح ليسكور أنه كان حاضراً في فرساي خلال توقيع الاتفاق، معتبراً أن الحدث يحمل أهمية كبيرة، خصوصاً بسبب ما يتضمنه من إعادة فتح مضيق هرمز واستعادة حرية الملاحة.

وأكد الوزير الفرنسي أن دول الخليج أظهرت قدرة كبيرة على التكيف مع الأزمة، سواء عبر إدارة صادرات الطاقة أو البحث عن مسارات بديلة للحفاظ على حركة التجارة.

وأضاف أن قدرة دول المنطقة على مواصلة تداول النفط رغم إغلاق المضيق أظهرت حجم التحول الذي شهدته اقتصادات الخليج ومكانتها المتزايدة في الاقتصاد العالمي.

وترى باريس أن مرحلة ما بعد الحرب تفتح الباب أمام فرص اقتصادية واسعة، خاصة مع استمرار دول الخليج في تنفيذ خطط تنويع اقتصاداتها بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط.

وتسعى الشركات الفرنسية إلى تعزيز وجودها في قطاعات رئيسية تشمل الطاقة، والبنية التحتية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والثقافة، في ظل المنافسة الدولية المتزايدة على الاستثمارات الخليجية.

ويعكس التحرك الفرنسي محاولة للاستفادة من التحولات الجيوسياسية في المنطقة، عبر الجمع بين الشراكات الدفاعية القديمة والتوسع الاقتصادي الجديد، في وقت ترى فيه باريس أن الخليج سيظل أحد أهم مراكز النمو والاستثمار عالمياً خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى