الحرب تعيد رسم معادلات الخليج.. مخاوف أمنية وتحولات استراتيجية بعد الحرب على إيران

دخلت دول الخليج مرحلة جديدة من إعادة تقييم سياساتها الأمنية والاستراتيجية بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي استمرت ثلاثة أشهر، بعدما امتدت تداعياتها إلى أراضيها للمرة الأولى، لتكشف هشاشة المنظومة الأمنية الإقليمية وتدفع العواصم الخليجية إلى مراجعة أولوياتها الدفاعية والاقتصادية.
وأوردت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أنه بعد سنوات اعتادت خلالها دول الخليج متابعة الحروب في المنطقة من مسافة آمنة، وجدت نفسها خلال المواجهة الأخيرة في دائرة الاستهداف المباشر، مع تعرض قواعد عسكرية ومنشآت حيوية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، الأمر الذي غيّر من نظرتها إلى طبيعة التهديدات التي تواجهها.
ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران، يرى مراقبون أن الحرب تركت آثاراً عميقة ستستمر لسنوات، في ظل استمرار القلق الخليجي من أن الاتفاقات السياسية الحالية لا تعالج مصادر التهديد الأساسية، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة وشبكة الحلفاء الإقليميين لطهران.
وخلال جولة خليجية هذا الأسبوع، سعى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى طمأنة حلفاء واشنطن، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تتخذ أي خطوات تمس أمن شركائها في المنطقة، وأن الحكومات الخليجية ستكون جزءاً من المشاورات المتعلقة بالمفاوضات الجارية مع إيران.
لكن الحرب دفعت دول الخليج إلى إعادة النظر في مفاهيم الأمن التقليدية، بعدما تحولت القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها من عنصر ردع إلى أهداف محتملة للهجمات الإيرانية، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
كما ألقت المواجهة العسكرية بظلالها على الاقتصادات الخليجية، إذ تسببت في اضطراب حركة التجارة والطاقة، وأثارت مخاوف من استمرار المخاطر التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتصدير النفط والغاز في العالم.
وبحسب الصحيفة أدى الإغلاق الفعلي للمضيق خلال الحرب إلى دفع دول الخليج نحو تسريع خططها لتنويع مسارات التصدير، وتقليل الاعتماد على المضيق باعتباره المنفذ الرئيسي لصادراتها النفطية.
وفي هذا السياق، تعمل الإمارات على توسيع قدرات موانئها الواقعة خارج مضيق هرمز، إلى جانب تطوير خطوط أنابيب جديدة وشبكات نقل بري وسككي، بهدف تقليص الاعتماد على الممر البحري في صادرات الطاقة والتجارة.
كما برزت سلطنة عُمان خلال الأزمة مركزاً لوجستياً مهماً، مستفيدة من موانئها المطلة على بحر العرب، حيث جرى نقل جزء من البضائع والسلع عبر أراضيها إلى بقية دول الخليج، بعيداً عن المناطق التي شهدت توترات أمنية.
وفي المقابل، كشفت الحرب عن تباين واضح في مواقف الدول الخليجية تجاه إيران، إذ واصلت الإمارات تعزيز شراكاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما لعبت قطر دور الوسيط في الاتصالات بين واشنطن وطهران، في حين حافظت السعودية على سياسة متوازنة تقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف.
أما سلطنة عُمان، فواصلت أداء دورها التقليدي كوسيط بين إيران والولايات المتحدة، رغم تعرضها لضغوط متزايدة على خلفية المناقشات المتعلقة بإدارة الملاحة في مضيق هرمز.
ويرى محللون أن الحرب دفعت الحكومات الخليجية إلى زيادة الإنفاق على أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتعزيز قدراتها العسكرية، بعد أن أظهرت الهجمات الأخيرة أن التطورات الإقليمية يمكن أن تنتقل بسرعة إلى داخل أراضيها.
كما أثارت المواجهة تساؤلات بشأن فعالية منظومات الردع التقليدية، في ظل قدرة إيران على استهداف منشآت وقواعد عسكرية داخل الخليج رغم التفوق العسكري الأمريكي.
وفي الوقت نفسه، يخشى مسؤولون خليجيون من أن يمنح أي اتفاق دائم بين واشنطن وطهران إيران فرصة لاستعادة قدراتها الاقتصادية، خاصة مع الحديث عن تخفيف العقوبات النفطية، الأمر الذي قد يعزز نفوذها الإقليمي من جديد.
وتزامنت هذه المخاوف مع تداول مقترحات بشأن مساهمة دول الخليج في تمويل إعادة إعمار إيران، وهي فكرة قوبلت بتحفظ واسع داخل المنطقة، في ظل تركيز الحكومات الخليجية على احتياجاتها الداخلية وإعادة بناء ما تأثر بالحرب.
ويرى خبراء أن الحرب أعادت صياغة أولويات الأمن الإقليمي، بعدما كشفت هشاشة سلاسل الإمداد والطاقة، وأبرزت الحاجة إلى تطوير بنية تحتية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.
ورغم الترحيب الخليجي الرسمي بوقف إطلاق النار، لا تزال المخاوف قائمة من احتمال عودة المواجهة العسكرية في أي وقت، خاصة أن القضايا الخلافية الأساسية بين الولايات المتحدة وإيران لم تُحسم بصورة نهائية.
ويعتقد محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد اتجاهاً خليجياً نحو تعزيز الحوار المباشر مع إيران بالتوازي مع استمرار الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، سعياً إلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً، تقلل من احتمالات اندلاع صراعات جديدة تهدد أمن المنطقة واقتصاداتها.















