تقرير: تصاعد استقطاب الإمارات لتيارات اليمين المتطرف في أوروبا

يشهد المشهد السياسي الأوروبي تصاعدا ملحوظا في نفوذ التيارات الشعبوية اليمينية، مدفوعا بخطابات معادية للمهاجرين والمسلمين، وبنزعة قومية متشددة آخذة في الترسخ داخل عدد متزايد من الدول الأوروبية.

وبينما انصب الاهتمام الإعلامي والسياسي خلال السنوات الماضية على أدوار قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا، إضافة إلى شخصيات نافذة في وادي السيليكون، بدأت تقارير وتحليلات حديثة تكشف عن انخراط فاعل لدولة الإمارات العربية المتحدة في ما يصفه مراقبون بـ”حروب الثقافة” داخل أوروبا.

زيارات ممولة وتقاطعات أيديولوجية

في ديسمبر 2025، زار نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح البريطاني، الإمارات في رحلة ممولة بالكامل من السلطات الإماراتية، بحسب ما ورد في سجل المصالح البرلمانية البريطاني، الذي أشار إلى تغطية تكاليف السفر والإقامة والضيافة.

وخلال الزيارة، التقى فاراج مسؤولين إماراتيين رفيعي المستوى، وناقش معهم قضايا أمنية وسياسية، من بينها معارضة جماعة الإخوان المسلمين، وفق تقارير إعلامية بريطانية. وبعد عودته، أعلن فاراج عزمه تصنيف الجماعة منظمة إرهابية في حال فوزه في الانتخابات العامة المقبلة، وهو موقف يتماشى مع السياسة الإماراتية المعلنة منذ سنوات.

وفي السياق نفسه، أثارت زيارة الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون إلى الإمارات في الفترة ذاتها جدلا واسعا، نظرا لسجله الطويل في الخطاب المعادي للإسلام، ما دفع مراقبين للتساؤل عن التناقض بين استضافته وقوانين الدولة الصارمة المتعلقة بخطاب الكراهية.

الجامعات البريطانية في مرمى الضغط

في منتصف عام 2025، أزالت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الإماراتية الجامعات البريطانية من قائمة المؤسسات المعتمدة للحصول على منح دراسية ممولة من الدولة، ما أدى إلى وقف ابتعاث طلاب إماراتيين جدد إلى بريطانيا بدعم حكومي.

وبحسب تقارير إعلامية، أعرب مسؤولون إماراتيون لنظرائهم البريطانيين عن مخاوفهم من انتشار أفكار مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين داخل الجامعات. غير أن محللين يرون في هذه الخطوة استثمارا في المناخ السياسي البريطاني المشحون بالخطاب المعادي للإسلام، بما يخدم حملة أبوظبي الأوسع ضد الإسلام السياسي.

عداء ممتد للإسلام السياسي

تندرج هذه التحركات ضمن سياق عداء طويل الأمد للإمارات تجاه جماعات الإسلام السياسي. ففي عام 2006، نقلت برقيات دبلوماسية أن محمد بن زايد حذر مسؤولين أميركيين من أن أي انتخابات حرة في المنطقة قد تفضي إلى فوز جماعة الإخوان المسلمين.

ومع اندلاع انتفاضات الربيع العربي عام 2011، رأت أبوظبي في التحولات الديمقراطية تهديدا مباشرا، خاصة بعد صعود قوى محسوبة على الإخوان في تونس ومصر، ما دفعها إلى دعم قوى مناهضة للثورات، أبرزها تأييد الانقلاب العسكري في مصر عام 2013.

وقال أندرياس كريج، الأستاذ المشارك في كلية كينغز بلندن، لصحيفة نيو عرب إن “الدولة العميقة في الإمارات ترى في أي تنظيم إسلامي سياسي منافسا وجوديا لمشروع الاستقرار السلطوي”، مضيفا أن “فزاعة الإخوان المسلمين تحولت إلى سردية شاملة لاستقطاب طيف واسع من المعارضين للتحرر السياسي”.

تشكيل الخطاب الأوروبي

يحذر باحثون من أن هذا الإطار الأيديولوجي يُعاد إنتاجه داخل أوروبا عبر أدوات ضغط ناعمة تشمل التواصل مع اليمين المتطرف، واستمالة النخب السياسية، ودعم مراكز أبحاث وخبراء يقدمون أنفسهم بوصفهم مستقلين.

وقال مارك أوين جونز، الباحث في مجال التضليل الإعلامي بجامعة نورث وسترن في قطر، لصحيفة نيو عرب إن شبكات مرتبطة بالإمارات تستغل الخطاب اليميني المتطرف في أوروبا، مستفيدة من الصور النمطية المعادية للإسلام، لترويج أجندة تبدأ بمهاجمة الإخوان المسلمين وتتوسع لتطال المسلمين عموما.

وأوضح أن هذه الرسائل غالبا ما تمر عبر مؤسسات عامة غير مهيأة لرصد التضليل، ما يسمح بتداول روايات موالية لدول بعينها تحت غطاء الخبرة الأكاديمية أو التحليل الأمني.

وأشار إلى بروز مجموعات من المعلقين الإماراتيين الشباب على نحو متزامن في وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات إعلامية غربية، مستخدمين أنماط إنتاج متشابهة وشبكات تضخيم مشتركة، بما يوحي بوجود منظومة إعلامية منسقة.

شخصيات مثيرة للجدل ومنصات إعلامية

ويعد أمجد طه، المقيم في أبوظبي، من أبرز الأسماء المرتبطة بهذه الشبكات، إذ تصفه تقارير بحثية بمضلل إعلامي رغم حضوره المتكرر في وسائل إعلام يمينية بريطانية.

وفي عام 2025، اضطرت قناة جي بي نيوز لدفع تعويضات بعد بثها ادعاءات كاذبة لطه بشأن مؤسسة الإغاثة الإسلامية في بريطانيا، كما تراجعت صحيفة ديلي ميل عن نشر مزاعم مشابهة. وفي يناير 2026، نشر طه مقالا في صحيفة ذا تايمز حذر فيه من أنشطة مزعومة للإخوان المسلمين في الجامعات البريطانية، في توقيت تزامن مع قرار الإمارات خفض المنح الدراسية.

شبكات نفوذ وتحوط سياسي

على المستوى القاري، تتزايد الاتهامات بضلوع الإمارات في محاولات للتأثير على النقاشات السياسية الأوروبية. فقد كتب السياسي الفرنسي جان لوك ميلانشون في ديسمبر 2025 أن حزبه يتعرض لحملات نفوذ مرتبطة بالإمارات، بينما أثيرت في فرنسا أيضا تساؤلات بشأن علاقات مالية غير مباشرة تربط محيط مارين لوبان بمؤسسات مصرفية مقرها الإمارات.

ويرى سيباستيان سونس، الباحث في مركز البحوث التطبيقية بالشراكة مع الشرق، أن أبوظبي تسعى لبناء علاقات مع قوى يمينية “كإجراء احترازي” تحسبا لوصولها إلى السلطة في دول أوروبية كبرى.

وبحسب مراقبين، فإن هذا التقارب لا يقتصر على مواجهة الإسلام السياسي، بل يمتد إلى دعم أولويات إماراتية أخرى، مثل تأييد استقلال أرض الصومال أو دعم المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، وهي مواقف تبناها سياسيون يمينيون بعد لقاءات مع مسؤولين إماراتيين.

ويرى محللون أن انخراط الإمارات في الفضاء السياسي الأوروبي يساهم في تعميق الخلط بين قضايا مكافحة التطرف والرقابة على الحياة المدنية للمسلمين، في سياق يشهد تصاعدا غير مسبوق للشعبوية اليمينية.

ورغم أن مستقبل هذه التيارات لا يزال غير محسوم، إلا أن المؤكد، بحسب خبراء، هو أن تدخلات خارجية باتت تؤثر في بيئة النقاش الأوروبي، بتداعيات تتجاوز جماعة الإخوان المسلمين لتطال مجتمعات مسلمة بأكملها داخل أوروبا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى