ميديا بارت تكشف: خطة إماراتية سرية للتأثير على السياسة الفرنسية لمواجهة الإخوان المسلمين

كشف موقع «ميديا بارت» الفرنسي عن وثيقة دبلوماسية إماراتية سرية تظهر وجود خطة عمل متكاملة أعدّتها أبوظبي في صيف عام 2025، تهدف إلى التأثير غير المعلن في السياسات الداخلية الفرنسية ودفع السلطات في باريس إلى تشديد إجراءاتها ضد جماعة الإخوان المسلمين والكيانات المرتبطة بها، عبر أدوات سياسية وإعلامية وبرلمانية وبحثية.

ويأتي هذا الكشف في وقت تشهد فيه العلاقات الفرنسية–الإماراتية تقاربًا غير مسبوق، تُوّج بالزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أبوظبي في 21 ديسمبر 2025، حيث استُقبل بعناق حار من الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان، وألقى خطابًا في القاعدة العسكرية الفرنسية تحدّث فيه عن «روابط الثقة القوية» بين البلدين، قبل أن يشكر نظيره الإماراتي علنًا على «حفاوة الاستقبال».

لكن، بحسب «ميديا بارت»، فإن هذا التقارب يخفي نشاطًا دبلوماسيًا إماراتيًا واسع النطاق يستهدف التأثير في النقاش العام الفرنسي وصنع القرار السياسي، خصوصًا في ملف «الإسلام السياسي».

وثيقة عمل: فرنسا «بلد مستهدف»

وتشير الوثيقة، التي أرسلتها مديرية أوروبا في وزارة الخارجية الإماراتية بتاريخ 18 أغسطس/آب 2025 إلى أحمد الملا، نائب السفير الإماراتي في باريس، إلى أن فرنسا تُعدّ «بلدًا مستهدفًا» و«أرضًا خصبة لعملية نفوذ سياسي وإعلامي».

وتستند الخطة إلى قناعة إماراتية بأن البيئة السياسية والإعلامية الفرنسية باتت أكثر ميلًا لتقييد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين، وأن تيارات الوسط واليمين تتقاطع اليوم على ضرورة تشديد الرقابة على ما يُسمّى «الإسلام السياسي»، في ظل انقسام اليسار الفرنسي، خصوصًا بين الحزب الاشتراكي وحزب «فرنسا الأبية».

وترى الوثيقة أن هذا الانقسام يمثل «فرصة استراتيجية» ينبغي استغلالها لمنع تشكّل جبهة معارضة موحّدة، ما يعزّز الزخم الداعم لإجراءات أكثر صرامة.

وتقترح الخطة الإماراتية تركيز الجهد، في المرحلة الأولى، على وزارة الخارجية الفرنسية، من خلال تكثيف «المشاورات غير المعلنة» مع إداراتها المختلفة، بما في ذلك إدارات شمال أفريقيا والشرق الأوسط، والشؤون الاستراتيجية، ومكافحة الإرهاب.

كما توصي بإغراق الدبلوماسية الفرنسية بسيل من الوثائق التحليلية، من بينها «مذكرات حرّة» غير موقعة، و«إحاطات تقنية» مصاغة بطريقة تسمح بإعادة استخدامها داخل الإدارة الفرنسية، مع التأكيد على ضرورة تحييد الطابع الإماراتي للنصوص لتسهيل تداولها داخل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة.

وتولي الوثيقة أهمية قصوى لـ الرئاسة الفرنسية، باعتبارها «مركز القرار الحاسم»، وتقترح بناء علاقات أوثق «بصورة غير معلنة» مع الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس ماكرون، من خلال مستشاريه الأساسيين، وعلى رأسهم إيمانويل بون، آن-كلير لوجندر، إيمانويل مولان، وبول سولير.

شبكات نفوذ وعلاقات قديمة

وتكشف «ميديا بارت» أن أبوظبي تعوّل أيضًا على شبكات نفوذ أقدم، من بينها علاقة أحد وسطاء الإمارات، تاجر السلاح إلياس بن شدلي، بالجنرال فابيان ماندون، الذي عيّنه ماكرون رئيسًا لأركان القوات المسلحة في سبتمبر 2025.

كما يُعدّ مكتب خلدون المبارك، رئيس هيئة الشؤون التنفيذية في أبوظبي، «القناة الرئيسية» في العلاقة مع قصر الإليزيه، بمشاركة مختلف الوزارات الإماراتية والديوان الرئاسي في التنسيق عند الحاجة إلى انخراط رفيع المستوى.

ولا تقتصر الاستراتيجية الإماراتية على القنوات الرسمية، إذ تعتبر الوثيقة أن الصحافة الفرنسية عنصرًا محوريًا في تشكيل الرأي العام بشأن جماعة الإخوان المسلمين. وترحب أبوظبي بخطاب صحف مثل «لو فيغارو» و«ليكسبريس» و«ماريان» التي تصف الجماعة بأنها «غامضة» و«غير منسجمة مع القيم الجمهورية».

وتذكّر «ميديا بارت» بتحقيق سابق كشف تمويل أجهزة استخبارات إماراتية، عبر وسيط سويسري، لعدد من الصحافيين الفرنسيين لتنفيذ مهام هدفت إلى تشويه صورة قطر وجماعة الإخوان المسلمين.

كما تعتمد الإمارات، بحسب الوثيقة، على مراكز أبحاث وخبراء معروفين للتأثير في النقاش العام، من خلال لقاءات «غير مسجلة» واتصالات غير رسمية، بما ينعكس لاحقًا على مداخلاتهم الإعلامية.

البرلمان واليمين المتطرف

وتولي الخطة اهتمامًا خاصًا بـ البرلمان الفرنسي، عبر بناء شبكة من النواب من مختلف التيارات، يمكن التواصل معهم في القضايا التشريعية أو لجان التحقيق، باستخدام أدوات مثل الزيارات الرسمية والبعثات البرلمانية وتوزيع وثائق «غير معلنة».

وتشير «ميديا بارت» إلى أن الوثيقة تُظهر تقاربًا ملحوظًا مع اليمين الفرنسي واليمين المتطرف، اللذين يُنظر إليهما على أنهما أكثر تقبّلًا للرؤية الإماراتية. ويبرز في هذا السياق لقاءات مع شخصيات مثل إريك سيوتي، رئيس حزب «اتحاد اليمين من أجل الجمهورية»، ومجموعة الصداقة الفرنسية–الإماراتية في البرلمان.

وتحذّر الوثيقة من مخاطر الانكشاف، في ظل تزايد يقظة السلطات الفرنسية إزاء التدخلات الأجنبية، وتدعو إلى اعتماد مقاربة تدريجية تبدأ بتبادلات غير معلنة، ثم ترسيخ النفوذ، قبل الانتقال إلى مرحلة الظهور العلني وتحقيق الأثر السياسي.

وتخلص «ميديا بارت» إلى أن ما تكشفه الوثيقة لا يترك مجالًا للشك في أن الدبلوماسية الإماراتية تقود عملية نفوذ منظمة في فرنسا، تستهدف إعادة تشكيل السياسات والسرديات العامة، تحت شعار «مكافحة الإسلام السياسي»، وبوسائل تتراوح بين الدبلوماسية الناعمة، والتأثير الإعلامي، والعمل البرلماني غير المعلن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى