تصاعد الحرب يرفع النفط إلى 116 دولارًا ويكشف هشاشة سوق الطاقة العالمي

سجلت أسعار النفط ارتفاعًا حادًا مع تصاعد التوترات العسكرية المرتبطة بالحرب الإيرانية، في وقت وسّعت فيه جماعة الحوثي المدعومة من طهران نطاق هجماتها لتشمل إسرائيل، ما دفع الأسواق إلى حالة من القلق العميق بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية.
وتجاوز سعر خام برنت، وهو المعيار العالمي، مستوى 116 دولارًا للبرميل مسجلًا ارتفاعًا بنسبة 3.3% ليصل إلى 116.25 دولارًا، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 3% ليقترب من 103 دولارات للبرميل، في مؤشر واضح على تصاعد المخاوف من اضطرابات طويلة الأمد في سوق النفط.
وجاء هذا الارتفاع بالتزامن مع دخول الحرب أسبوعها الخامس دون أي مؤشرات جدية على التهدئة، رغم الحديث المتكرر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مسارات دبلوماسية، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين التصريحات السياسية والواقع الميداني المتجه نحو مزيد من التصعيد.
وسّعت التطورات العسكرية دائرة القلق، بعدما أعلن الحوثيون تنفيذ هجوم صاروخي على إسرائيل، في خطوة غير مسبوقة منذ بدء الحرب.
وأكدت إسرائيل اعتراض الصاروخ القادم من اليمن، ما يشير إلى احتمال دخول جبهات جديدة في الصراع الإقليمي، وهو ما يهدد بتعقيد المشهد الأمني بشكل أكبر.
وترافقت هذه التطورات مع تحركات عسكرية أمريكية مكثفة، حيث وصل أكثر من 3500 جندي أمريكي إلى الشرق الأوسط، بينهم نحو 2500 من مشاة البحرية، في خطوة تعكس استعداد واشنطن لاحتمالات التصعيد الواسع.
في المقابل، صعّد المسؤولون الإيرانيون من لهجتهم، إذ هدد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف باستهداف القوات الأمريكية وتوسيع نطاق الهجمات ضد حلفاء واشنطن.
وكشفت هذه التطورات عن هشاشة البنية الأمنية لممرات الطاقة العالمية، خاصة مع تزايد المخاوف من تعطيل الملاحة في البحر الأحمر، الذي يشكل مسارًا بديلًا حيويًا لمضيق هرمز.
وأغلقت إيران بالفعل معظم حركة النفط عبر المضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم، ما يزيد من احتمالات حدوث صدمة كبيرة في الإمدادات.
وحذّر خبراء الطاقة من سيناريوهات أكثر خطورة، حيث أشار المؤرخ المتخصص في شؤون الطاقة دانيال يرجين إلى أن تصعيد الحوثيين لهجماتهم قد يؤدي إلى تعطيل حركة السفن أو دفعها لتجنب المرور عبر البحر الأحمر، ما سيضاعف من حدة الاضطرابات الحالية في سوق النفط، والتي وصفها بأنها من بين الأسوأ في التاريخ.
وقد انعكست هذه الاضطرابات مباشرة على الأسواق الاستهلاكية، حيث اقتربت أسعار البنزين في الولايات المتحدة من مستوى 4 دولارات للغالون، بعدما ارتفعت إلى 3.98 دولار، ما يضع ضغوطًا إضافية على المستهلكين ويزيد من المخاوف بشأن التضخم.
في السياق السياسي، فجّرت التطورات خلافًا داخل الولايات المتحدة، إذ اتهم النائب الديمقراطي جيم هايمز الرئيس ترامب بتضليل الرأي العام بشأن المفاوضات مع إيران، معتبرًا أن الإدارة الأمريكية منحت طهران مساحة أوسع للمناورة.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الوقود يعكس إدراك إيران لحجم النفوذ الذي تمتلكه في هذا الملف.
ورغم هذا التصعيد، حاولت بعض التقديرات التقليل من احتمالات الانهيار الكامل للإمدادات، حيث توقعت مجموعة “أوراسيا” أن تسهم المدفوعات السعودية في كبح هجمات الحوثيين على البنية التحتية النفطية داخل المملكة.
إلا أن المجموعة حذرت في الوقت ذاته من أن أي تصعيد مباشر مع إيران قد يدفع الحوثيين لتنفيذ هجمات انتقائية تؤثر على تدفقات النفط دون إيقافها بالكامل.
في المقابل، دافعت مؤسسات الطاقة الأمريكية عن قدرة السوق على امتصاص الصدمة، إذ أكد رئيس معهد البترول الأمريكي مايك سومرز أن ارتفاع الإنتاج المحلي إلى أكثر من 13 مليون برميل يوميًا ساهم في منع انفلات الأسعار بشكل أكبر.
وأوضح أن الوضع كان سيصبح أكثر حدة لو كانت مستويات الإنتاج عند حدود 5 ملايين برميل يوميًا كما كان الحال قبل عقد من الزمن.
وتكشف هذه المعطيات أن سوق النفط دخل مرحلة جديدة من الاضطراب المرتبط مباشرة بالصراعات الجيوسياسية، حيث لم تعد الأسعار تتأثر فقط بعوامل العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت رهينة التوترات العسكرية واتساع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط، ما ينذر بموجة طويلة من التقلبات قد تتجاوز آثارها حدود قطاع الطاقة لتطال الاقتصاد العالمي بأكمله.















