خبير أمني في واشنطن: الحوار الدبلوماسي هو السبيل الأفضل للتعامل مع إيران

دعا الكاتب المتخصص في شؤون الأمن القومي، دبليو جيه هينيغان، إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تبني نهج دبلوماسي في التعامل مع إيران وبرنامجها النووي بدلًا من سياسة التهديدات والتصعيد.
ووفقًا لمقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” وترجمته “الوطن الخليجية“، فإن ترامب أرسل رسالة شخصية إلى المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، قبل أسبوعين، في محاولة لبدء محادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني المتسارع.
إلا أن هذه المبادرة أعقبها تحذير علني لطهران بعمل عسكري محتمل، تلاه فرض جولة جديدة من العقوبات الاقتصادية على قطاع النفط الإيراني، وأخيرًا، شن غارات جوية على أهداف تابعة للحوثيين في اليمن.
استراتيجية ترامب والتوتر المتصاعد مع إيران
يرى هينيغان أن نهج ترامب غير المتوقع في احتواء القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية قد وضع واشنطن وطهران في مسار تصادمي قد يؤدي إلى أزمة أوسع في الشرق الأوسط. وإذا كان ترامب جادًا بشأن التوصل إلى اتفاق للحد من البرنامج النووي الإيراني، فعلى إدارته التراجع عن التصعيد الحالي، وفقًا للكاتب.
وأكد المقال أن النهج القسري لم يحقق النتائج المرجوة، حيث باتت إيران أكثر بعدًا عن طاولة المفاوضات، وأظهرت القيادة الإيرانية رفضًا متزايدًا للانخراط في أي حوار تحت الضغط، معتبرة أن استراتيجية البيت الأبيض تقوم على مبدأ “الاستسلام أو لا شيء”.
وأشار المقال إلى أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والمرشد الأعلى خامنئي رفضا علنًا رسالة ترامب، حيث قال خامنئي إن “بعض القوى الكبرى لا تريد حل المشكلات عبر المفاوضات، بل تستخدمها لفرض مطالب جديدة، ولا يقتصر الأمر على القضية النووية فقط”. ومع ذلك، أفادت وزارة الخارجية الإيرانية بأنها ستصدر ردًا رسميًا على المبادرة الأمريكية قريبًا.
عوامل تدفع إيران نحو المفاوضات
بحسب المقال، فإن هناك عوامل جيوسياسية تدفع إيران نحو إعادة النظر في خياراتها. فقد أثرت الحرب في غزة بشكل كبير على شبكة حلفائها الإقليميين، كما أن الدفاعات الجوية الإسرائيلية والأمريكية جعلت الصواريخ الإيرانية أقل فاعلية خلال الهجمات الأخيرة على إسرائيل.
إضافة إلى ذلك، يواجه الاقتصاد الإيراني أزمة خانقة، حيث تراجعت قيمة الريال إلى مستويات قياسية، ووصل معدل التضخم إلى نحو 40% سنويًا، مما أدى إلى ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة. وقد أدت هذه الأزمة إلى إقالة وزير المالية الإيراني في وقت سابق من الشهر الجاري.
ويرى هينيغان أن تدهور الوضع الاقتصادي والاضطرابات الداخلية كانا من العوامل الرئيسية التي دفعت إيران إلى قبول الاتفاق النووي عام 2015، والذي منحها تخفيفًا واسعًا للعقوبات مقابل فرض قيود صارمة على برنامجها النووي.
انعكاسات الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي
بحسب المقال، فإن الوضع الحالي يعود إلى قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي في 2018، رغم أن التقارير الدولية أكدت أن إيران كانت ملتزمة ببنوده. وقد عارضت معظم القوى الكبرى هذا القرار، لكنها لم تتمكن من ثني ترامب عن فرض نحو 1500 عقوبة إضافية على إيران، استهدفت الشركات والأفراد المتعاملين معها.
كان الهدف من هذه العقوبات إجبار إيران على القبول بقيود إضافية على برنامجها الصاروخي ودعمها لحلفائها الإقليميين، مثل حماس وحزب الله، لكن هذه الاستراتيجية لم تحقق نتائج ملموسة. وبدلًا من ذلك، تصاعدت المواجهات العسكرية غير المباشرة بين الطرفين، مما زاد من احتمالات نشوب صراع مباشر.
الخيارات المطروحة ومستقبل الاتفاق النووي
يؤكد هينيغان أن إيران، رغم تصريحاتها بأنها تسعى لاستخدام التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية، رفعت مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 60%، وهي نسبة قريبة جدًا من العتبة المطلوبة لإنتاج أسلحة نووية. ووفقًا لتقرير حديث للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% ارتفع إلى 275 كيلوجرامًا، وهو ما يكفي، إذا تم تخصيبه أكثر، لصنع نحو ست قنابل نووية.
وأشار الكاتب إلى أن امتلاك إيران لسلاح نووي سيكون مصدر قلق عالمي، خاصة أن طهران دعمت لسنوات طويلة جماعات مسلحة في المنطقة. وفي هذا السياق، حذر مستشار الأمن القومي السابق لترامب، مايكل والتز، من أن جميع الخيارات مطروحة، مشيرًا إلى ضرورة إجبار إيران على التخلي عن برنامجها الصاروخي وتقليص قدراتها النووية.
الضربة العسكرية.. خيار محفوف بالمخاطر
بحسب المقال، فإن إسرائيل تضغط على واشنطن لتنفيذ هجوم عسكري يستهدف المنشآت النووية الإيرانية، خاصة بعد أن دمرت الغارات الإسرائيلية في أكتوبر الماضي أجزاءً من الدفاعات الجوية الإيرانية.
ومع ذلك، يرى هينيغان أن هذا الخيار غير مضمون النتائج، لأن العديد من المنشآت النووية الإيرانية تقع في أماكن محصنة تحت الأرض، مما يجعل من الصعب تدميرها بشكل نهائي. كما أن أي ضربة عسكرية قد تؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية واسعة.
الاتفاق الدبلوماسي.. الحل الأكثر واقعية
يشير المقال إلى أن العودة إلى الاتفاق النووي الأصلي باتت صعبة، لكن يمكن التوصل إلى اتفاق جديد قائم على المبادئ ذاتها: تقليص إيران لقدراتها النووية مقابل تخفيف العقوبات. ويشمل ذلك خفض نسبة تخصيب اليورانيوم، والسماح للمفتشين الدوليين بالعودة، والتخلص من المخزون الحالي من المواد النووية عالية التخصيب.
وفي المقابل، ينبغي أن تخفف الولايات المتحدة من الضغوط الاقتصادية على إيران، وتسمح بعودة الاستثمارات الأجنبية، مما قد يسهم في تحسين الاقتصاد الإيراني ويشجع على التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
يختتم هينيغان مقاله بالتأكيد على أن إيران والولايات المتحدة تقفان عند مفترق طرق. فالخيار بين امتلاك إيران لسلاح نووي أو اندلاع مواجهة عسكرية هو خيار كارثي لكلا الطرفين وللمنطقة بأسرها. لذلك، فإن اتباع نهج دبلوماسي يستند إلى تقديم تنازلات متبادلة هو الحل الأكثر منطقية لمنع تصعيد جديد قد تكون عواقبه وخيمة.















