دراسة رقمية: التدخل الإماراتي في ليبيا مشروع استراتيجي لإدارة الفوضى

أصدر المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي دراسة تحليلية شاملة تناولت ما وصفته بـ”الدور الوظيفي للإمارات في ليبيا”، معتبرة أن تدخل أبو ظبي شكل مشروعاً استراتيجياً متكاملاً بدأ منذ عام 2011 وتطور عبر مراحل متعددة، من الدعم السياسي إلى التدخل العسكري المباشر، وصولاً إلى إعادة التموضع السياسي والاقتصادي.
وتنطلق الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن التدخل الإماراتي في ليبيا لم يكن تحالفاً تقليدياً مع طرف داخلي، بل “تدخلاً وظيفياً” يهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم أجندة إقليمية طويلة الأمد، حتى لو جاء ذلك على حساب وحدة الدولة الليبية واستقرارها.
ووفق هذا التصور، جرى التعامل مع ليبيا كساحة نفوذ جيوسياسي وأمني واقتصادي، تُدار عبر وكلاء محليين، لا كدولة ذات سيادة تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى دعم مؤسساتها.
وترصد الدراسة ثلاث مراحل رئيسية للتدخل:
المرحلة الأولى (2011 – 2013): مع سقوط نظام القذافي، تشير الدراسة إلى تحرك إماراتي مبكر لبناء علاقات مع شخصيات من النظام السابق، ودعم أطراف مناهضة للتيارات الثورية، بالتوازي مع نشاط إعلامي مكثف للتأثير في الرأي العام الليبي.
المرحلة الثانية (2014 – 2019): تصفها الدراسة بذروة “عسكرة التدخل”، حيث تم دعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر عسكرياً، بما في ذلك تزويده بطائرات مسيّرة ومنظومات دفاع جوي، وتنفيذ غارات جوية انطلاقاً من قواعد خارج ليبيا، إضافة إلى تهريب أسلحة رغم حظر السلاح الأممي، وإنشاء غرف عمليات وتقديم دعم استخباراتي مباشر.
المرحلة الثالثة (2020 – حتى الآن): بعد فشل حفتر في السيطرة على طرابلس، تشير الدراسة إلى إعادة تموضع إماراتي عبر أدوات السياسة والاقتصاد، مع تعزيز النفوذ في شرق ليبيا، والاستثمار في قطاعي الطاقة والموانئ، ومحاولة التأثير في مسارات التسوية السياسية بما يضمن استمرار نفوذ الحلفاء المحليين.
أدوات متعددة: من السلاح إلى الإعلام
تعدد الدراسة الأدوات التي استُخدمت في ليبيا، مقسّمة إلى خمسة محاور:
الأداة العسكرية: غارات جوية، تزويد بالسلاح، تدريب وتسليح وحدات، إنشاء قواعد غير معلنة.
الأداة الاستخباراتية: شبكات تجسس، اختراق مؤسسات أمنية، دعم عمليات الرصد والاستهداف.
الأداة السياسية: دعم برلمان طبرق، التأثير في مسارات التفاوض، تمويل شخصيات سياسية وإعلامية.
الأداة الاقتصادية: الاستثمار في النفط والغاز، التحكم بمسارات التصدير، التغلغل في قطاع الموانئ.
الأداة الإعلامية والرقمية: تشغيل شبكات إعلامية، حملات رقمية منظمة، الترويج لخطاب “مكافحة الإرهاب”، مقابل شيطنة القوى الثورية والمدنية.
خروقات قانونية موثقة
تستند الدراسة إلى تقارير أممية تؤكد، بحسب معدّيها، وجود انتهاكات متكررة لقرارات مجلس الأمن الخاصة بحظر توريد السلاح إلى ليبيا. وتشمل هذه الانتهاكات إدخال شحنات أسلحة ثقيلة، نقل طائرات مسيّرة هجومية، وتمويل مليشيات محلية.
وتذهب الدراسة إلى أن هذه الأفعال تمثل، وفق القانون الدولي، انتهاكاً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وخرقاً لقرارات ملزمة، وقد ترقى إلى مستوى المسؤولية الدولية.
وتعتبر الدراسة أن ليبيا تمثل موقعاً محورياً في الاستراتيجية الإماراتية الإقليمية، بوصفها بوابة على البحر المتوسط وحلقة وصل بين شمال إفريقيا والقرن الإفريقي ونقطة ارتكاز في مشروع السيطرة على الموانئ ومدخلاً رئيسياً إلى ثروات الطاقة.
وتشير إلى مساعٍ للنفوذ في ميناء بنغازي وموانئ الهلال النفطي، إلى جانب اهتمام بخطوط الإمداد الطاقي، في سياق تنافس إقليمي أوسع يشمل شرق المتوسط.
تحليل رقمي واسع للفضاء الإلكتروني
أجرت الدراسة تحليلاً رقمياً ضخماً لمنصات التواصل الاجتماعي والمحتوى الإعلامي، وكشفت عن هيمنة واضحة للسردية المعارضة للتدخل الإماراتي.
على منصة X، رُصد أكثر من 2.1 مليون تغريدة معارضة (89.48%) مقابل نحو 253 ألف تغريدة مؤيدة (10.52%).
وفي منصات Facebook وInstagram وLinkedIn، بلغت نسبة المحتوى المعارض 77.24%.
أما على TikTok وYouTube Shorts، فقد حققت الفيديوهات المعارضة 1.8 مليار مشاهدة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المشاهدات المؤيدة.
وفي المواد الصحفية، شكّلت التقارير المنتقدة للتدخل 91.76% من إجمالي المواد المرصودة.
وتركز المحتوى المعارض – وفق التحليل الكيفي – على الضحايا المدنيين وتدمير البنية التحتية وانتهاك السيادة، بينما ركز المحتوى المؤيد على خطاب “مكافحة الإرهاب” وتحميل الفوضى لعوامل داخلية.
وتقارن الدراسة بين الحالة الليبية وما جرى في اليمن والسودان، معتبرة أن ثمة نمطاً مشتركاً يقوم على دعم قوى مسلحة خارج إطار الدولة، والسعي للسيطرة على موانئ استراتيجية، وإدامة حالة الانقسام السياسي، وهو ما تصفه بـ”إدارة الفوضى” بدل احتوائها.
وتخلص الدراسة إلى أن التدخل أسهم في إطالة أمد الحرب الليبية، وتعميق الانقسام، وإضعاف مؤسسات الدولة، كما انعكس على استقرار شمال إفريقيا وشرق المتوسط. وعلى الصعيد الدولي، تشير إلى تصاعد الانتقادات الحقوقية والمخاطر المرتبطة بتآكل الصورة الدولية.















