اتفاق واشنطن وطهران يعزز موقف الحوثيين في اليمن

يرى خبراء أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يعزز موقف الحوثيين في اليمن، وقد يشجعها على استئناف تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مستفيدة من النموذج الإيراني في استخدام الممرات البحرية الاستراتيجية أداةً للضغط السياسي والاقتصادي.
وقال خبراء ومسؤولون إن مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران في 17 يونيو/حزيران الماضي، والمكونة من 14 بنداً، لم تتطرق إلى الدعم الإيراني للجماعات المسلحة الإقليمية، وفي مقدمتها الحوثيون.
ومنحت المذكرة الولايات المتحدة وإيران مهلة 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق أوسع لإنهاء الحرب وتسوية الملفات الخلافية بين البلدين، فيما تركز المفاوضات على البرنامج النووي الإيراني، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإعادة فتح مضيق هرمز وضمان حركة الملاحة عبره.
لكن الاتفاق استبعد قضية دعم إيران وتمويلها وتسليحها للجماعات المسلحة في المنطقة، وهو ما أثار مخاوف من أن تستفيد جماعة الحوثيين من التسوية الأمريكية الإيرانية لتعزيز نفوذها العسكري والسياسي.
وقال براء شيبان، الخبير في الشؤون اليمنية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى إبرام اتفاق سريع مع إيران، مستبعداً أن تضيف واشنطن شروطاً تتعلق بدعم طهران للحوثيين أو أنشطتهم في البحر الأحمر.
وأضاف شيبان أن المفاوضين الأمريكيين يميلون إلى التعامل مع الملفات الإقليمية بصورة منفصلة، رغم الروابط الواضحة بينها، محذراً من أن التوصل إلى اتفاق قد يشجع الحوثيين وإيران على تصعيد الخطاب والضغوط ضد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
وتسيطر جماعة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء منذ عام 2014، بعد سنوات من الحرب التي دفعت اليمن إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وخلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، نفذ الحوثيون سلسلة من الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، ما أدى إلى اضطراب حركة التجارة الدولية وإجبار شركات شحن كبرى على تغيير مسارات سفنها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
وتوقفت الهجمات عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قبل أن تدخل الجماعة لاحقاً على خط الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
وأعلنت الجماعة في 28 مارس/آذار الماضي إطلاق صاروخ باليستي باتجاه جنوب إسرائيل، قبل أن تنفذ هجمات إضافية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب تهديدها باستئناف استهداف السفن العابرة للبحر الأحمر.
وقال أحمد ناجي، كبير محللي شؤون اليمن في مجموعة الأزمات الدولية، إن الحوثيين قد يشعرون بالتشجيع نتيجة الطريقة التي استخدمت بها إيران موقعها الجغرافي وقدرتها على تهديد التجارة الدولية عبر مضيق هرمز للضغط على المجتمع الدولي.
وأضاف أن الجماعة يمكن أن تسعى إلى استغلال موقعها الاستراتيجي قرب مضيق باب المندب والبحر الأحمر لزيادة الضغوط الدولية، ومحاولة بناء نفوذ مشابه للنفوذ الذي مارسته إيران في مضيق هرمز.
وتزايدت هذه المخاوف مع طرح إيران إمكانية فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، ضمن مساعيها لاستخدام السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم ورقة تفاوضية في مواجهة الولايات المتحدة.
وحذر سفير بريطاني سابق لدى اليمن من أن السماح لإيران بفرض رسوم أو الحصول على مكاسب مقابل ضمان حركة الملاحة عبر مضيق هرمز قد يشجع الحوثيين على محاولة تطبيق نموذج مشابه في مضيق باب المندب.
وأكد أن أي تحرك من هذا النوع ستكون له تداعيات خطيرة، ليس فقط على اليمن، وإنما على الاقتصاد الإقليمي والتجارة العالمية وحركة السفن بين آسيا وأوروبا.
ويمر عبر البحر الأحمر وباب المندب أحد أهم طرق التجارة البحرية العالمية، فيما أظهرت الهجمات الحوثية السابقة قدرة الجماعة على إحداث اضطرابات واسعة في أسواق الشحن وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي المقابل، ترى الأمم المتحدة أن الاتفاق الأمريكي الإيراني يمكن أن يوفر فرصة لإحياء جهود السلام المتعثرة في اليمن واستئناف المفاوضات بين الأطراف اليمنية.
وقالت إسميني بالا، المتحدثة باسم المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانز غروندبيرغ، إن المنظمة الدولية تأمل أن يخلق الاتفاق زخماً جديداً للمفاوضات، لكنه لا يمكن أن يضمن تحقيق السلام دون التزام الأطراف اليمنية نفسها بالتوصل إلى تسوية سياسية.
وأضافت أن التصعيد الإقليمي منذ عام 2023 أدى إلى تعقيد الأزمة اليمنية وتغيير الديناميات السياسية والعسكرية في المنطقة، ما تسبب في عرقلة جهود الأمم المتحدة للتوصل إلى تسوية شاملة.
وأكدت استمرار المحادثات الاقتصادية والعسكرية بين الأطراف اليمنية، مشيرة إلى أن غروندبيرغ شدد على ضرورة امتناع الحوثيين عن تنفيذ أي خطوات يمكن أن تؤدي إلى جر اليمن مجدداً إلى صراعات إقليمية.
ويرى دبلوماسيون سابقون شاركوا في مفاوضات السلام اليمنية أن إحراز تقدم سياسي يتطلب إثبات الحوثيين استعدادهم الحقيقي للسلام، من خلال خطوات عملية تشمل إطلاق سراح المعتقلين والتوصل إلى تفاهمات اقتصادية مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
وكان الحوثيون والحكومة اليمنية قد وقعا في وقت سابق من العام الجاري اتفاقاً برعاية الأمم المتحدة في الأردن لتبادل أكثر من 1600 معتقل.
ورغم الآمال الأممية بإحياء العملية السياسية، تظل المخاوف قائمة من أن يؤدي استبعاد ملف الجماعات المسلحة المدعومة من إيران من الاتفاق الأمريكي الإيراني إلى منح الحوثيين مساحة أكبر للتحرك، واستخدام موقعهم الجغرافي قرب باب المندب كورقة ضغط جديدة على المجتمع الدولي، بما يعيد تهديد الملاحة في البحر الأحمر ويضيف أزمة جديدة إلى المشهد الأمني المضطرب في المنطقة.















