الحوثيون يشعلون جبهة البحر الأحمر.. هجمات على المخا تضع السعودية أمام خيار الحرب أو التنازل

صعّد الحوثيون خلال الأسبوعين الماضيين هجماتهم على الساحل الغربي لليمن، مستهدفين ميناء المخا الخاضع لسيطرة قوات مرتبطة بالحكومة اليمنية والمدعومة من السعودية، في تحرك يعيد جبهة البحر الأحمر إلى واجهة الصراع ويهدد بتحويل حالة الجمود التي عاشتها الحرب اليمنية منذ هدنة عام 2022 إلى مواجهة مفتوحة من جديد.
وشن الحوثيون هجمات شبه يومية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد مناطق ومواقع في محيط المخا، ما أسفر عن مقتل أكثر من عشرة أشخاص وأدى إلى اضطراب نشاط الميناء وتوقف عدد من الصيادين عن العمل، وسط مخاوف من اتساع رقعة المواجهة على طول الساحل اليمني.
وتكتسب المخا المدينة الواقعة على ساحل البحر الأحمر، أهمية استراتيجية متزايدة بسبب قربها من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وتاريخياً، اشتهرت المخا كمركز عالمي لتجارة القهوة، لكنها تحولت خلال سنوات الحرب إلى قاعدة عسكرية وموقع رئيسي للقوات المناهضة للحوثيين. ومن شأن أي تقدم للجماعة باتجاه المدينة أو السيطرة عليها أن يمنحها موقعاً أكثر تقدماً على البحر الأحمر ويقربها بصورة أكبر من باب المندب.
ويأتي التصعيد في وقت أعلن فيه الحوثيون الشهر الماضي فرض حصار على الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، بالتزامن مع هجمات استهدفت ناقلات ومنشآت مرتبطة بالطاقة. ويضع ذلك الرياض أمام معادلة معقدة بين الرد العسكري ومحاولة استعادة مسار التفاوض.
فالسعودية التي قادت منذ عام 2015 تحالفاً عسكرياً واسعاً ضد الحوثيين، دفعت ثمناً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً باهظاً خلال سنوات الحرب، من دون أن تنجح في إنهاء سيطرة الجماعة على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من شمال اليمن.
واليوم، تبدو الرياض مترددة في العودة إلى حرب شاملة قد تعيد منشآتها النفطية ومدنها الحدودية إلى دائرة الاستهداف. لكن الامتناع عن الرد أو تقديم تنازلات واسعة للحوثيين يحمل بدوره مخاطر لا تقل خطورة، إذ قد يُفسر باعتباره اعترافاً عملياً بتعاظم قوة الجماعة وقدرتها على فرض شروطها بالقوة.
ويطالب الحوثيون السعودية بجملة من المطالب السياسية والاقتصادية، من بينها دفع رواتب الموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، والحصول على جزء من إيرادات النفط اليمني، ودفع تعويضات، إلى جانب توسيع حركة الطيران والشحن عبر المطارات والموانئ الواقعة تحت سيطرتهم.
وتخشى السعودية أن يؤدي قبول هذه المطالب إلى توفير موارد مالية جديدة للحوثيين وتعزيز قدراتهم العسكرية، في وقت تتهم فيه الرياض وحلفاؤها الجماعة بالاستفادة من الدعم والخبرات الإيرانية في تطوير ترسانتها الصاروخية والطائرات المسيّرة.
ويمثل باب المندب محوراً أساسياً في هذه المواجهة. فالمضيق لم يعد مجرد ممر تجاري بالنسبة إلى الحوثيين، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ورقة ضغط إقليمية تمنح الجماعة قدرة على التأثير في حركة الملاحة الدولية وأسواق الطاقة.
وتزداد حساسية هذا الموقع في ظل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ما جعل البحر الأحمر أكثر أهمية بالنسبة إلى صادرات الطاقة السعودية. ولذلك فإن أي تصعيد جديد يهدد الملاحة عبر باب المندب قد ينعكس مباشرة على تكاليف النقل وأسعار التأمين والطاقة العالمية.
وتشير بيانات الملاحة إلى أن حركة السفن عبر باب المندب شهدت تراجعاً كبيراً منذ عام 2023، مع انخفاض مرور سفن الحاويات وناقلات الغاز وبعض ناقلات النفط مقارنة بالمستويات السابقة.
وأجبرت المخاطر الأمنية شركات شحن دولية على تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليفها.
وفي حال تمكن الحوثيون من توسيع عملياتهم وتعطيل الملاحة بصورة أكبر، فقد تواجه الأسواق العالمية موجة جديدة من الضغوط، خصوصاً في ظل أي ارتفاع متزامن في أسعار النفط أو اضطراب إضافي في سلاسل الإمداد.
ويرى محللون أن الهجمات الحوثية على المخا، إلى جانب التحركات في جبهات أخرى مثل مأرب وحضرموت، قد تحمل بعداً استباقياً، إذ تسعى الجماعة إلى الضغط على خصومها ومنع القوات المدعومة من السعودية من استعادة زمام المبادرة العسكرية.
وبحسب معطيات مرصد “أكليد”، نفذ الحوثيون 16 هجوماً على أهداف سعودية خلال الشهر المنتهي في 14 أغسطس/آب، شملت منشآت مرتبطة بالطاقة وناقلات، فيما نفذت السعودية موجة واحدة على الأقل من الغارات ضد مواقع حوثية.
وعملت الرياض في المقابل على تعزيز قدرات الفصائل اليمنية المناهضة للحوثيين، بما في ذلك تدريب وتسليح بعض القوات وتزويدها بطائرات مسيّرة من نوع FPV، إلا أن المعسكر المناهض للحوثيين ما زال يعاني انقسامات سياسية وعسكرية وتنافساً بين القوى المحلية.
كما فقدت السعودية خلال السنوات الماضية جانباً مهماً من التنسيق السابق مع الإمارات، بعدما برزت خلافات بين البلدين حول إدارة الصراع اليمني ومستقبل القوى الجنوبية ومناطق النفوذ.















