شركة أمريكية مرتبطة بالاستخبارات الإسرائيلية تطلق أول فرع لها في الإمارات

أعلنت دبي القابضة بالشراكة مع شركة “بالانتير” الأميركية، المتخصصة في تحليل البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، عن إطلاق شركة جديدة في الإمارات تحمل اسم “إيثر” (Aether)، لتكون أول فرع من نوعه للشركة المثيرة للجدل في المنطقة.

وجاء الإعلان في بيان رسمي صادر عن المكتب الإعلامي لحكومة دبي، الذي قال إن المشروع يهدف إلى “تسريع تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة”، ووصف الخطوة بأنها جزء من “التحول الرقمي الطموح للإمارة”.

وذكر البيان أن “إيثر” ستعمل على تمكين المؤسسات الحكومية والخاصة من تسريع الابتكار وتطبيق حلول تحليل البيانات، مستفيدة من منصات وأنظمة شركة “بالانتير” الأميركية. وأضاف أن “دبي القابضة” بدأت بالفعل في تطبيق أنظمة الشركة ضمن عملياتها التشغيلية منذ مطلع عام 2024.

لكن خلف هذا الإعلان المشرق، تخفي الشراكة الجديدة طبقات عميقة من الجدل، إذ تُعد “بالانتير” واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا ارتباطاً بالأجهزة الاستخباراتية والعسكرية الأميركية والإسرائيلية، وتواجه منذ سنوات اتهامات بانتهاك الخصوصية والتورط في تطوير أدوات مراقبة جماعية.

شركة مثيرة للجدل بجذور استخباراتية

تأسست بالانتير (Palantir Technologies) عام 2003 على يد الملياردير الأميركي بيتر ثييل، أحد أبرز الداعمين للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وذلك بدعم مباشر من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) عبر ذراعها الاستثمارية “In-Q-Tel”.

ومنذ تأسيسها، تخصصت الشركة في تطوير برمجيات لتحليل كميات ضخمة من البيانات لصالح وكالات أمنية، على رأسها الجيش الأميركي، وزارة الدفاع، وكالة الأمن القومي، ووكالة الاستخبارات المركزية. ويُنظر إليها اليوم على أنها العمود الفقري للبنية الرقمية للاستخبارات الأميركية.

غير أن نشاط “بالانتير” لم يقتصر على الولايات المتحدة، إذ أبرمت عقوداً مع جهات حكومية إسرائيلية، وقدمت لها أنظمة تحليل بيانات ومراقبة ميدانية، بحسب تقارير نشرتها صحف بريطانية وأميركية. وتتهم منظمات حقوقية الشركة بتزويد إسرائيل ببرمجيات تُستخدم في تتبع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي تقرير نشرته منظمة العفو الدولية (أمنستي) هذا العام، حذرت المنظمة من أن “بالانتير” طورت أنظمة ذكاء اصطناعي تُستخدم لتعقب المهاجرين والناشطين المؤيدين للفلسطينيين في الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركة “بابيل ستريت” (Babel Street)، المتخصصة في التنقيب في البيانات الشخصية على الإنترنت.

اتفاقية “إيثر”: التكنولوجيا في خدمة السلطة

رغم هذه الاتهامات، تواصل “بالانتير” التوسع عالمياً، وتعتبر الإمارات بوابتها الأهم إلى الشرق الأوسط.

فقد أعلن أميت كوشال، الرئيس التنفيذي لمجموعة دبي القابضة، أن الشراكة الجديدة مع “بالانتير” تهدف إلى “توظيف قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لدعم طموحات دبي الرقمية وتعزيز التنويع الاقتصادي في الدولة”.

وأضاف أن شركة “إيثر” ستسهم في بناء “نظام متكامل للذكاء الاصطناعي”، يدعم قطاعات مثل الأمن السيبراني، النقل، الطاقة، والخدمات الحكومية، دون أن يوضح نوعية البيانات أو آليات الحماية والرقابة عليها.

ويخشى خبراء الخصوصية أن تصبح الإمارات، التي تعتمد بشكل واسع على المراقبة الرقمية، ساحة اختبار لتقنيات “بالانتير”، خاصة أن دبي أعلنت مؤخراً عن خطط لإدماج الذكاء الاصطناعي في جميع الخدمات الحكومية بحلول عام 2031.

تزامن لافت مع التوسع الأميركي في الذكاء الاصطناعي

يأتي دخول “بالانتير” إلى السوق الإماراتية بعد يوم واحد فقط من إعلان شركة مايكروسوفت عن خطة لزيادة استثماراتها في الإمارات إلى 15.2 مليار دولار بحلول عام 2029، معظمها في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

وحصلت “مايكروسوفت” على ترخيص رسمي لاستيراد رقائق إلكترونية متطورة إلى الدولة الخليجية، في خطوة تُظهر حجم التنافس الدولي على السيطرة على مشهد الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، وخاصة في الإمارات التي تسعى إلى أن تصبح مركزاً إقليمياً للتكنولوجيا المتقدمة.

لكن هذا التوسع الأميركي المتسارع يثير مخاوف حول استقلالية القرار التقني في الإمارات، واحتمال تحول البلاد إلى منصة اختبار لتقنيات مراقبة قد تُستخدم في تتبع المواطنين والمقيمين، بل وحتى النشطاء والمعارضين من دول أخرى.

اتهامات دولية بالتعاون مع الاستخبارات الإسرائيلية

تلاحق “بالانتير” منذ سنوات اتهامات بالتعاون مع أجهزة الأمن الإسرائيلية. ففي عام 2021، كشفت صحيفة هآرتس أن الشركة زوّدت وزارة الدفاع الإسرائيلية ببرمجيات تحليل بيانات تساعد في تحديد الأهداف داخل الأراضي الفلسطينية.

كما أشار تقرير لموقع Intercept الأميركي إلى أن الشركة شاركت في تطوير أدوات تحليل بيانات لبرنامج مراقبة مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، يستخدم الذكاء الاصطناعي لتتبع “الأنشطة المشبوهة” عبر الإنترنت.

ويرى محللون أن افتتاح فرع رسمي للشركة في دبي يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز هذا التعاون غير المعلن بين تل أبيب وأبوظبي في المجال الأمني والتكنولوجي، بعد توقيع اتفاقات التطبيع في عام 2020.

ويحذر خبراء الأمن الرقمي من أن التعاون مع شركات مثل “بالانتير” قد يمنح أطرافاً خارجية وصولاً غير مباشر إلى قواعد بيانات ضخمة تشمل معلومات حساسة عن الأفراد والمؤسسات في الإمارات والمنطقة.

وقال أحد الباحثين في “مركز الخصوصية الرقمية الأوروبي” إن “القلق لا يتعلق فقط بالمراقبة، بل أيضاً بإمكانية دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية في البنية الحكومية الخليجية بطريقة تجعلها تعتمد بشكل كلي على الشركات الأجنبية، ما يهدد مفهوم السيادة الرقمية”.

وبينما تمضي أبوظبي ودبي في سباق محموم نحو “التحول الذكي”، يخشى مراقبون أن يكون هذا التحول مصحوباً بمزيد من المراقبة، وتراجعاً جديداً في مساحات الخصوصية والحريات، في زمن أصبحت فيه البيانات أقوى من النفط، والمعلومة أثمن من السلطة نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى