اتفاقية مكة تعيد رسم التحالفات.. السعودية وتركيا وباكستان تراهن على أمن إقليمي مستقل

دفع توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان إلى إعادة فتح النقاش حول مستقبل التحالفات الأمنية في الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا، وسط مؤشرات على توجه القوى الإقليمية الثلاث نحو بناء شبكة دفاعية تتجاوز الاعتماد التقليدي على المظلات الأمنية الخارجية.

وأكد تحليل نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، أن الاتفاقية جاءت نتيجة تقارب استراتيجي بين ثلاث دول تمتلك مصادر قوة ومواقع جغرافية وحسابات أمنية مختلفة، لكنها تشترك في القناعة بأن النظام الأمني القائم لم يعد يوفر الضمانات ذاتها التي وفرها خلال العقود الماضية.

وتقوم الاتفاقية، بحسب التحليل، على مبدأ الدفاع الجماعي، إذ تعتبر أي هجوم مسلح ضد إحدى الدول الثلاث هجوماً ضدها جميعاً، في صيغة تقترب من منطق التحالفات العسكرية الكبرى، مع تأكيد الدول الموقعة أن الترتيب دفاعي بطبيعته.

ويرى التحليل أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في تحديد الخصم المحتمل، وإنما في الإجابة عن سؤال أوسع يتعلق بالأسباب التي دفعت الرياض وأنقرة وإسلام آباد إلى جمع قدراتها في هذه المرحلة.

وتدخل السعودية الاتفاق بثقل اقتصادي وسياسي وديني كبير، إلى جانب موقعها الجغرافي المؤثر بين الخليج والبحر الأحمر وطرق الطاقة والتجارة العالمية. كما تواجه المملكة بيئة أمنية معقدة تشمل حماية الحدود والبنية التحتية والمجال الجوي وطرق الملاحة ومصادر الطاقة، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالأمن السيبراني وسلاسل التوريد.

ويشير التحليل إلى أن التعاون مع تركيا وباكستان يمنح السعودية إمكانية الاستفادة من القدرات العسكرية والتكنولوجية والصناعية التركية، إلى جانب الخبرة العملياتية والعلاقات الدفاعية الطويلة التي تربط الرياض بإسلام آباد.

ولا يفسر الاتفاق، بحسب المصدر، على أنه توجه سعودي نحو مواجهة جديدة مع إيران، خصوصاً في ظل التحسن الذي شهدته العلاقات بين الرياض وطهران خلال السنوات الأخيرة. لكن الاتفاق يحمل رسالة ردع أوسع مفادها أن أي حسابات تتعلق بمهاجمة السعودية لن تعتمد مستقبلاً على قدراتها العسكرية منفردة، وإنما على شبكة أوسع من الشراكات والقدرات.

أما تركيا، التي تمتلك أحد أكبر الجيوش في حلف شمال الأطلسي وصناعة دفاعية متنامية، فتسعى من خلال الاتفاق إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية خارج الإطار التقليدي لعلاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا.

ويأتي ذلك في وقت اتسع فيه نطاق المصالح الأمنية التركية ليشمل سوريا والعراق وشرق المتوسط والبحر الأسود والقوقاز ومناطق أخرى، بالتزامن مع تصاعد التوتر مع إسرائيل، خصوصاً على خلفية الحرب في غزة والتطورات المتلاحقة في سوريا.

ويشير التحليل إلى أن التقارب الأمني بين إسرائيل واليونان وقبرص يمثل عاملاً مهماً في الحسابات التركية، في ظل توسع التعاون العسكري والمناورات المشتركة بين هذه الدول في شرق المتوسط.

ومن هذا المنظور، ترى أنقرة في الشراكة مع السعودية وباكستان وسيلة لتوسيع شبكتها الاستراتيجية وتقليل تعرضها للضغوط التي قد تمارسها عليها تحالفات أو محاور منفردة.

وبالنسبة لباكستان، لا تنفصل الاتفاقية عن حساباتها التاريخية المرتبطة بالصراع مع الهند وقضية كشمير والتنافس العسكري بين القوتين النوويتين. ويمنحها الاتفاق مساحة أوسع لبناء شراكات استراتيجية تتجاوز حدود جنوب آسيا، مستفيدة من الثقل الاقتصادي والسياسي السعودي ومن القوة العسكرية والصناعية التركية.

ويبرز البعد النووي الباكستاني باعتباره أحد أكثر عناصر الاتفاق حساسية، رغم أن التحليل يؤكد أن الاتفاقية لا تعني تلقائياً توفير مظلة نووية للسعودية أو تركيا، ولا تشير إلى إدخال الترسانة النووية الباكستانية ضمن الترتيبات الدفاعية.

لكن وجود دولة نووية ضمن أي تحالف دفاعي، وفق التحليل، يغير حسابات الردع ويمنح الاتفاق عمقاً استراتيجياً إضافياً عند التفكير في أي مواجهة واسعة النطاق.

وتتجاوز أهمية اتفاقية مكة الجانب العسكري المباشر، إذ يمكن أن تتحول إلى إطار للتعاون في حماية الملاحة البحرية والاستخبارات ومكافحة الطائرات المسيّرة والأمن السيبراني وحماية الموانئ والبنية التحتية الساحلية.

وتمنح الجغرافيا الاتفاقية بعداً إضافياً، إذ تقع تركيا عند تقاطع أوروبا والبحر الأسود والشرق الأوسط، بينما تقع السعودية بين الخليج والبحر الأحمر، فيما تشكل باكستان بوابة استراتيجية نحو بحر العرب والمحيط الهندي.

وبذلك، يمتد المجال الجغرافي للتحالف من الأناضول مروراً بشبه الجزيرة العربية وصولاً إلى جنوب آسيا، رابطاً بين مناطق حيوية تشمل شرق المتوسط والخليج والمحيط الهندي.

كما يفتح الاتفاق الباب أمام تعاون أوسع في الصناعات الدفاعية، في ظل امتلاك تركيا خبرة متقدمة في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ والسفن والمركبات المدرعة والأنظمة العسكرية، إلى جانب الخبرة الصناعية والعسكرية الباكستانية، والقدرات الاستثمارية والمالية السعودية.

ويخلص تحليل “ميدل إيست آي” إلى أن الاختبار الحقيقي لاتفاقية مكة سيبدأ بعد مرحلة التوقيع، إذ ستحدد آليات التنسيق والتدريب والتعاون العسكري مدى تحولها من إعلان سياسي إلى تحالف مؤثر على الأرض.

لكن الاتفاق، حتى قبل اختبار قدرته العملية، يمثل تحولاً في التفكير الأمني الإقليمي، عبر انتقال ثلاث قوى رئيسية من الاعتماد على ترتيبات تهيمن عليها القوى الكبرى إلى محاولة بناء شبكة أمنية تستند بصورة أكبر إلى القدرات والتحالفات الإقليمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى