تصريحات ترامب بشأن قناة السويس أحدث أزمة للقاهرة

تتجه العلاقات بين مصر والولايات المتحدة إلى منطقة أكثر غموضا، حيث تختبر مقترحات الرئيس دونالد ترامب التي تؤثر على القاهرة واحدة من أكثر شراكات واشنطن ديمومة في الشرق الأوسط.

وبعد توليه منصبه في يناير/كانون الثاني، اقترح السيد ترامب إعادة توطين الفلسطينيين من قطاع غزة المتضرر من الحرب في مصر والأردن، وهي فكرة رفضها البلدان. وفي نهاية الأسبوع الماضي، اقترح أن تسمح مصر للسفن الأمريكية، العسكرية والتجارية، بعبور قناة السويس مجانًا.

ويستبعد محللون ومصادر مطلعة على ديناميكيات العلاقات الأمريكية المصرية إمكانية تحول الصداقة التي نشأت في سبعينيات القرن الماضي إلى عداء مفتوح أو انفصال، لكنهم يعتقدون أنها مهيأة لفترة من الاضطراب وانعدام الثقة قد تستمر حتى انتهاء ولاية ترامب الثانية في عام 2029.

قالت مصر إن اقتراح ترامب بنقل الفلسطينيين من غزة عبر الحدود إلى شبه جزيرة سيناء ذات الكثافة السكانية المنخفضة لن يجعلها فقط طرفا في ظلم تاريخي وتفريغ القضية الفلسطينية، بل سيشكل أيضا تهديدا لأمنها القومي.

ولم ترد القاهرة رسميا حتى الآن على اقتراح المرور الحر للسفن الأميركية عبر قناة السويس، لكن الفكرة قوبلت بالرفض باعتبارها سخيفة من جانب مقدمي البرامج الحوارية التلفزيونية المؤيدين للحكومة، الذين خصصوا جزءا كبيرا من برامجهم منذ نهاية الأسبوع لهذه القضية، مستخدمين خطابا وطنيا متحديا.

وتشير التقديرات إلى أن إجمالي رسوم العبور التي تدفعها السفن الأميركية سنويا والتي تبحر عبر القناة يبلغ نحو 150 مليون دولار، حيث تقوم بهذه الرحلة نحو 40 سفينة حربية و300 سفينة تجارية.

وقال أنيس سالم، الدبلوماسي المتقاعد من مصر والذي يشغل الآن منصب عضو كبير في المجلس المصري للشؤون الخارجية، وهو مركز أبحاث في القاهرة: “من الصعب أن نتخيل أن ترامب يشعر بالقلق إزاء هذا المبلغ الضئيل من المال”.

وأضاف أن “الأمر ربما يتعلق أكثر بعقليته التجارية المتمثلة في ‘لا يوجد شيء اسمه غداء مجاني'”، متكهناً بأن طلب ترامب ربما يكون نابعاً من اعتقاده بأن الحملة الجوية الأميركية ضد قوات الحوثيين المدعومة من إيران في اليمن لوقف هجماتهم على الشحن في البحر الأحمر تهدف إلى مساعدة قناة السويس على استعادة حركة المرور التي فقدتها نتيجة لذلك.

وقد أدت هجمات الحوثيين إلى خفض عائدات مصر من القناة بأكثر من النصف، وهو المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية للدولة التي يبلغ عدد سكانها 106 ملايين نسمة وتعاني من نقص السيولة النقدية.

وظهرت علامات التوتر بين القاهرة وإدارة ترامب في أوائل فبراير/شباط عندما أرجأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أجل غير مسمى زيارة البيت الأبيض التي كان من المتوقع أن يقوم بها في وقت لاحق من ذلك الشهر.

وتأتي خطوة الزعيم المصري في أعقاب اقتراح ترامب نقل سكان غزة ووضع الجيب الصغير في شرق البحر الأبيض المتوسط تحت السيطرة الأميركية قبل تحويله إلى منتجع باذخ – وهي أفكار أدانها الكثير من العالم ولكن إسرائيل، أقرب حليف لواشنطن في الشرق الأوسط وأكبر المستفيدين من المساعدات الأميركية، تبنتها بحرارة.

من جانبه، استبعد ترامب مصر من جولته في الشرق الأوسط الشهر المقبل، حيث يخطط للتوقف في المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة.

وقال سالم “إن التقليل من دور مصر في المنطقة من خلال استبعادها من جولته يعد خطأ استراتيجيا”.

وتابع “بعد كل شيء، فإن معاهدة السلام التي أبرمتها مصر مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة في عام 1979 ربما كانت واحدة من أكبر إنجازات السياسة الخارجية لواشنطن في خمسين عاما.”

وأشار إلى أن ترامب لم يقم بزيارة مصر خلال فترة ولايته الأولى في الفترة من 2017 إلى 2021.

ولكن الاتجاه الذي ستتجه إليه العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر ربما يتحدد إلى حد كبير من خلال ما إذا كان ترامب سيواصل تنفيذ فكرته بشأن نقل سكان غزة ويستمر في منح إسرائيل حرية التصرف في الحرب التي أسفرت عن قتل أكثر من 52300 فلسطيني منذ أن بدأت قبل 18 شهرا.

وقال مايكل حنا، مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية ومقره نيويورك، إن “الكثير يعتمد على ما يحدث في غزة عندما يتعلق الأمر بعلاقات مصر مع إدارة ترامب”.

وأضاف أن “إسرائيل لا تنوي الموافقة على وقف إطلاق النار أو الانسحاب من أجزاء من غزة احتلتها، وهي لا تتعرض لأي ضغط حقيقي من الأميركيين للقيام بأي من هذا” .

وتابع “لا مصر ولا الولايات المتحدة تبحثان عن صدام، ولكن المصريين يشعرون أنهم تحت الحصار هذه الأيام”.

ومن اللافت للنظر أن ترامب استثنى كلاً من مصر وإسرائيل من قراره بإنهاء برامج المساعدات الخارجية. ومع ذلك، بدا وكأنه يُلمح إلى إمكانية تغيير هذا الوضع في حالة مصر عندما أعرب علناً عن خيبة أمله من رفضها لفكرته بإعادة توطين الفلسطينيين هناك، رغم تلقيها مليارات الدولارات من المساعدات الأمريكية على مر السنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى