صمت عربي وإسلامي يبدد رهان ترامب على توسيع اتفاقيات أبراهام

أبرزت شبكة NBC الأمريكية أن الدعوات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإلزام عدد من الدول العربية والإسلامية بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام مقابل إنهاء الحرب مع إيران قوبلت بصمت شبه كامل من العواصم المعنية، في مشهد عكس اتساع الفجوة بين الطموحات الأمريكية والواقع السياسي القائم في المنطقة.
وأشارت الشبكة الأمريكية إلى أن ترامب طرح خلال الأيام الماضية مطلباً مفاجئاً يقضي بانضمام دول عربية وإسلامية جديدة إلى مسار التطبيع مع إسرائيل باعتباره جزءاً من ترتيبات ما بعد الحرب مع إيران، إلا أن ردود الفعل جاءت باهتة أو غائبة تماماً، فيما لم تُبدِ حتى الحكومة الإسرائيلية حماساً واضحاً تجاه المقترح الأمريكي.
ورأى محللون ودبلوماسيون تحدثوا للشبكة الأمريكية أن توقيت الطرح الأمريكي وطبيعته أظهرا وكأنهما محاولة من ترامب لتحقيق إنجاز سياسي سريع بعد حرب أثارت جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة والمنطقة، أكثر من كونه مشروعاً دبلوماسياً قابلاً للتنفيذ على أرض الواقع.
وقال آرون ديفيد ميلر، الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، إن الربط بين إنهاء الحرب مع إيران وتوسيع اتفاقيات أبراهام لا يستند إلى أسس واقعية، واصفاً الطرح بأنه “تضليل” لا يأخذ بعين الاعتبار تعقيدات المشهد الإقليمي.
وأضاف التقرير أن مسؤولاً عربياً رفيع المستوى مشاركاً بصورة مباشرة في جهود الوساطة بين واشنطن وطهران أكد أن ترامب أثار بالفعل ملف التطبيع خلال الاتصالات المتعلقة بالحرب، إلا أن كثيراً من الأطراف الإقليمية لم تنظر إلى الطرح باعتباره مطلباً جدياً أو قابلاً للتطبيق.
وأشار المسؤول إلى أن دول المنطقة ترى نفسها شريكاً أساسياً في جهود إنهاء الصراع، وأنها تتوقع تقديراً لدورها السياسي والدبلوماسي بدلاً من مطالبتها بدفع أثمان سياسية إضافية عبر الانخراط في مسار التطبيع مع إسرائيل.
وتضم قائمة الدول التي تحدث عنها ترامب كلاً من السعودية وقطر وتركيا ومصر وباكستان والأردن والبحرين والإمارات، وهي دول تختلف مواقفها من إسرائيل لكنها تتفق إلى حد كبير على أن أي تقدم حقيقي في ملف التطبيع يبقى مرتبطاً بمستقبل القضية الفلسطينية.
وقال الدبلوماسي الباكستاني السابق آصف دوراني إن دول الخليج تحملت بالفعل تداعيات اقتصادية وأمنية كبيرة نتيجة التصعيد العسكري مع إيران، وإن مطالبتها بخطوات تطبيع إضافية في ظل استمرار الحرب على غزة قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات الإقليمية بدلاً من معالجتها.
وأوضح التقرير أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 غيرت بصورة جوهرية البيئة السياسية التي وُلدت فيها اتفاقيات أبراهام قبل سنوات، حيث تراجعت شعبية إسرائيل بشكل حاد داخل العالمين العربي والإسلامي، حتى في الدول التي تقيم معها علاقات رسمية.
ورغم أن عدداً من الحكومات الخليجية بات ينظر إلى إيران باعتبارها تهديداً أمنياً رئيسياً، فإن ذلك لم ينعكس على مستوى القبول الشعبي بإسرائيل، الذي بقي متدنياً بصورة كبيرة نتيجة استمرار الحرب في غزة وما رافقها من خسائر إنسانية واسعة.
وأشار التقرير إلى أن السعودية وقطر ما زالتا تتمسكان بموقف معلن يربط أي اعتراف رسمي بإسرائيل بوجود مسار واضح وموثوق يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو الشرط الذي ترفضه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
ونقلت الشبكة عن مسؤول شرق أوسطي قوله إن بلاده لا تشعر بأي ضغوط أمريكية حقيقية للانضمام إلى الاتفاقيات، مؤكداً أن الموقف الرسمي لم يتغير منذ طرح مبادرة السلام العربية عام 2002، والتي ربطت التطبيع الشامل بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وفي إسرائيل، بدا التفاعل الرسمي مع تصريحات ترامب محدوداً أيضاً. فباستثناء تصريحات عامة تؤكد الرغبة في توسيع دائرة التطبيع، لم يصدر عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أو كبار المسؤولين الإسرائيليين أي موقف داعم بقوة للمقترح الأمريكي.
ورأى الباحث الإسرائيلي يوئيل غوزانسكي أن العديد من المسؤولين في إسرائيل لا يتعاملون بجدية كاملة مع تصريحات ترامب، في ظل تكرار طرحه لمبادرات كبرى سرعان ما تتراجع أو تتغير خلال فترة قصيرة.
كما حذر خبراء إسرائيليون من أن ربط ملف التطبيع بالحرب مع إيران قد لا يخدم المصالح الإسرائيلية نفسها، خاصة إذا كان توسيع اتفاقيات أبراهام سيقود في النهاية إلى ضغوط أمريكية على تل أبيب لتقديم تنازلات تتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية.
وبذلك، تكشف ردود الفعل الإقليمية والدولية أن دعوات ترامب لتوسيع اتفاقيات أبراهام بعد الحرب مع إيران تواجه واقعاً سياسياً معقداً، يتصدره استمرار الحرب على غزة وتمسك عدد من الدول العربية والإسلامية بربط أي تطبيع مع إسرائيل بإيجاد حل سياسي حقيقي للقضية الفلسطينية.















