العراقيون أمام صناديق الاقتراع مجددًا وسط فتور شعبي وشكوك في جدوى التغيير

في شوارع بغداد وأزقتها الضيقة، تنتشر صور المرشحين ولافتات الحملات الانتخابية بألوانها الزاهية، مانحة العاصمة طابعًا احتفاليًا ظاهريًا.

لكن خلف هذا المشهد، يسود شعور واسع باللامبالاة، إذ يمر كثير من المواطنين أمام الملصقات الانتخابية دون اهتمام يُذكر، في انعكاس لمزاج عام متشائم تجاه العملية السياسية.

بعد أكثر من عشرين عامًا على سقوط نظام صدام حسين، الذي مثّل بداية مرحلة ديمقراطية جديدة للعراق، يتوجه الناخبون العراقيون اليوم، الثلاثاء 11 نوفمبر، إلى صناديق الاقتراع للمرة السابعة، لاختيار برلمان جديد يضم 329 عضوًا من بين أكثر من 7700 مرشح.

ورغم أن هذه الانتخابات تُجرى في أجواء هادئة نسبيًا، فإن ما يميزها هو ضعف الحماس الشعبي، إذ يتوقع محللون أن تكون نسبة المشاركة هي الأدنى منذ عام 2003.

يقول حيدر الشاكري، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “تشاتام هاوس”، في حديث لصحيفة عرب نيوز: “يسود جو انتخابي بارد؛ كثير من العراقيين يعتقدون أن التصويت لن يُحدث فرقًا حقيقيًا في موازين القوى، رغم أن البلاد تمر بفترة استقرار نسبي”.

وتأتي هذه الانتخابات بعد ثلاث سنوات على تولي رئيس الوزراء محمد شياع السوداني منصبه، وسط مشهد سياسي متقلب، وأزمة اقتصادية مستمرة، وتراجع ثقة الشارع في النخب الحاكمة.

ومع ذلك، تُظهر استطلاعات جديدة مؤشرات مختلفة. فقد كشف استطلاع حديث لمؤسسة “غالوب” أن الثقة في الحكومة العراقية بلغت 55%، وهو أعلى مستوى منذ سنوات، كما ازدادت ثقة المواطنين بالمؤسسات الأمنية والقضائية، وإن بقيت أقل من مثيلاتها في دول الخليج المجاورة.

ورغم هذا التحسن النسبي، يرى محللون أن العراق لا يزال يواجه عقبات بنيوية عميقة. فبحسب سجاد جياد، المحلل السياسي المقيم في بغداد وزميل “سينشري إنترناشونال”، فإن “الكثير من العراقيين يشعرون بانفصال تام عن نظام سياسي يبدو راكدًا وإقصائيًا وغير قادر على تحقيق إصلاح حقيقي”.

ويُرجع جياد ضعف المشاركة الشعبية إلى عوامل عدة، منها هيمنة الأحزاب والجماعات المسلحة التقليدية، وغياب البدائل السياسية الجادة، وتكرار الوعود الحكومية التي لم تُنفّذ.

كما أشار إلى أن القوانين الانتخابية الأخيرة، مثل استبعاد بعض المرشحين وحرمان العراقيين المقيمين في الخارج من التصويت، إضافة إلى استخدام البطاقات البيومترية، زادت من تعقيد المشهد الانتخابي.

ولا تقل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية عن التحديات السياسية تعقيدًا، إذ يشعر العراقيون بأن الانتخابات باتت تُمارس كطقس شكلي أكثر من كونها وسيلة فعلية للإصلاح والتغيير.

وخلال فترة حكمه، طرح السوداني برنامج “العراق أولًا”، الذي ركّز على تنويع الاقتصاد، ورقمنة الخدمات الحكومية، وتطوير البنية التحتية، وتقليل الاعتماد على عائدات النفط.

كما تبنّى مشروع “طريق التنمية” البالغة قيمته 17 مليار دولار، لربط ميناء الفاو على الخليج العربي بالحدود التركية، بهدف تحويل العراق إلى مركز تجاري إقليمي.

غير أن هذا التوجه لم ينجح بعد في تلبية طموحات الشباب، الذين يشكلون نحو 60% من السكان، ويواجهون معدلات بطالة مرتفعة وفرصًا محدودة. ويرى كثيرون أن الفساد والمحسوبية لا يزالان العائق الأكبر أمام أي إصلاح حقيقي.

ويختتم الشاكري بالقول: “الجهود الحكومية تركز على مشاريع سريعة المردود، مثل تحسين الخدمات والبنية التحتية، لكنها لا تعالج جذور الأزمات. فملفات الفساد، والإفلات من العقاب، واستحواذ النخب على مؤسسات الدولة، ما زالت دون حل”.

وهكذا، يدخل العراق استحقاقًا انتخابيًا جديدًا وسط مزيج من الأمل الحذر والشكوك العميقة، حيث يختبر المواطنون مرة أخرى ما إذا كان التصويت قادرًا على إحداث التغيير الذي طال انتظاره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى