اعتقال حاج مصري رفع علم فلسطين في مكة يثير موجة غضب على الإنترنت

في مشهد مؤثر التُقط وسط أقدس بقاع المسلمين، اعتقلت قوات الأمن السعودية حاجًا مصريًا بعدما رفع علم فلسطين داخل الحرم المكي، ودعا إلى إنهاء الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة.
وأظهر مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي الحاج وهو يقف أمام الكعبة المشرفة، يرفع علم فلسطين عاليًا، ويصرخ مناشدًا المسلمين: “وا إسلاماه! أطفال غزة يموتون… يا مسلمين!”
ولم تمضِ ثوانٍ قليلة حتى تدخل عناصر من شرطة الحرم واقتادوا الرجل خارج المكان، وسط صدمة بعض الطائفين واستغراب الحاضرين.
ورغم الحظر السعودي الصارم على رفع أي رموز أو شعارات سياسية أو وطنية داخل الحرم، إلا أن الواقعة أثارت موجة من الاستنكار والانتقادات الحادة على الإنترنت، حيث اعتبرها كثيرون مثالاً جديدًا على قمع التعبير عن التضامن الإسلامي، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
تضامن يُقابل بالاعتقال
وتداول نشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان مقطع الفيديو على منصات مثل “إكس” (تويتر سابقًا) و”تيك توك”، مشيرين إلى أن الاعتقال لم يكن لمخالفة تنظيمية بحتة، بل بسبب ما اعتبروه “موقفًا نبيلًا” من الحاج المصري تجاه معاناة المدنيين في غزة، الذين يعيشون منذ شهور تحت الحصار والغارات.
وغرّد أحد الناشطين قائلاً “رفع العلم الفلسطيني في مكة ليس فعلاً سياسيًا بل واجب ديني وأخلاقي. من العار أن يُعتقل من يصرخ لأجل الأطفال الجوعى.”
وعلق آخر: “أي تضامن مع فلسطين أصبح جريمة في بعض الدول العربية… حتى في بيت الله الحرام، لم يُسمح بكلمة حق.”
القوانين السعودية و”حرمة الشعائر”
من جهتها، تبرر السلطات السعودية هذا النوع من الإجراءات باعتبارها ضرورية للحفاظ على “الروحانية والهدوء والحرمة” في أماكن العبادة، حيث تحظر بشكل صارم رفع الأعلام أو الشعارات السياسية خلال الحج أو العمرة، وتشدد على أن الحرمين الشريفين يجب أن يبقيا خاليين من التجاذبات والرسائل السياسية.
لكن هذه الرواية تلقى معارضة متزايدة، خاصة من منظمات حقوق الإنسان التي تؤكد أن السعودية تستخدم هذه القوانين لقمع أي تعبير عن التضامن مع القضايا الإسلامية الجوهرية، وعلى رأسها فلسطين.
وتقول “هيومن رايتس ووتش” إن الرياض كثّفت منذ سنوات حملاتها الأمنية ضد المعارضين والمنتقدين، بما في ذلك من يُعبّر عن رأيه بشكل سلمي سواء في الفضاء العام أو حتى على الإنترنت.
مواقف سابقة
هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها. ففي موسم الحج عام 2023، تم اعتقال حاج بريطاني لارتدائه “الكوفية” الفلسطينية وسُبحة بألوان العلم الفلسطيني. وتم التحقيق معه لأيام قبل الإفراج عنه. كما أُبلغ عن حالات مماثلة لحجاج وعمّار رفعوا لافتات أو ارتدوا ملابس رمزية تضامنًا مع الفلسطينيين.
ولم تقتصر السياسة السعودية على الحرمين فقط، إذ تشهد المملكة مؤخرًا حملة تضييق إلكتروني داخلية ضد المغردين والمواطنين الذين يعبرون عن تضامنهم مع غزة أو ينتقدون التطبيع مع إسرائيل.
ومنذ صعود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى السلطة في 2017، وثّقت منظمات حقوقية سعودية ودولية ارتفاعًا في معدلات الاعتقال المرتبطة بحرية التعبير، لا سيما حين يتعلّق الأمر بالقضايا السياسية الإقليمية أو انتقاد التحالفات الخارجية، كالتقارب المتسارع مع إسرائيل.
ويرى مراقبون أن الرياض تحاول فرض سردية سياسية جديدة، تتجاوز الخطاب التقليدي الداعم لفلسطين، وتسعى إلى كبح أي مشاعر تضامن جماهيري قد تعرقل مسار التحالفات الاستراتيجية الإقليمية، خاصة مع إسرائيل والإمارات.
وفي هذا السياق، تُجرَّم حتى أبسط مظاهر الدعم الشعبي، وتُعامل وكأنها “أفعال تسيّس الدين”، رغم أنها، كما يرى كثيرون، امتداد طبيعي لمبدأ “نصرة المظلوم” الذي يشكل ركيزة في الخطاب الإسلامي.















