كيف قادت وساطة قطرية باكستانية واشنطن وطهران لاتفاق تاريخي؟

كواليس الساعات الحاسمة

كشفت صحيفة نيويورك تايمز تفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت التوصل إلى الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أشهر من التصعيد العسكري والسياسي، وسط جهود وساطة مكثفة قادتها قطر وباكستان لتجنب انهيار المفاوضات في اللحظات الأخيرة.

وبحسب الصحيفة، شهدت العاصمة الإيرانية طهران لحظات توتر حاسمة قبل إعلان الاتفاق، عندما توقف موكب مسؤولين قطريين كان متوجهاً إلى المطار بعد منتصف الليل، إثر ظهور خلاف جديد حول صياغة البيان النهائي. وتلقى الوسطاء القطريون تعليمات بعدم مغادرة إيران قبل ضمان إعلان الاتفاق بشكل رسمي.

وجاءت الأزمة الأخيرة بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينتظر في واشنطن إنهاء الترتيبات، في حين كان الوسطاء يعتقدون أن توقيت الإعلان قد يحمل أهمية سياسية للرئيس الأمريكي، بالتزامن مع مناسبات داخلية في الولايات المتحدة.

وفي المقابل، كان المسؤولون الإسرائيليون يراقبون تطور المحادثات بقلق متزايد، بعدما اقتربت واشنطن وطهران من اتفاق منفصل، رغم اعتراضات إسرائيلية وتحركات عسكرية هددت بتعطيل المسار الدبلوماسي.

وبعد اتصالات مكثفة، استأنف الوفد القطري طريقه نحو المطار، قبل أن يعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف التوصل إلى الاتفاق عند الساعة 12:45 بعد منتصف الليل بتوقيت طهران، ليتبعه ترامب بتأكيد الاتفاق، معلناً رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية بشكل فوري كبادرة حسن نية.

ووفق التقرير، مثل الاتفاق نهاية مرحلة من التصعيد استمرت أربعة أشهر، وجاء بعد عقود من المواجهة بين واشنطن وطهران، في ظل مفاوضات معقدة شملت ملفات مرتبطة بالأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي والبرنامج النووي الإيراني.

وسعى ترامب إلى تقديم الاتفاق باعتباره نجاحاً في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، رغم أن التفاصيل المتعلقة بالضمانات النووية تم تأجيلها إلى مفاوضات لاحقة. في المقابل، تمسكت إيران بما تعتبره حقها في تخصيب اليورانيوم، وسعت للحصول على مكاسب اقتصادية مقابل إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة.

وأوضحت الصحيفة أن الاتفاق تضمن إعادة فتح المضيق، إضافة إلى خطة بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها، لكنه ترك الملف النووي، وهو القضية الأكثر تعقيداً، لجولات تفاوض مستقبلية.

وخلال الأيام الأخيرة قبل الإعلان، لعبت قطر دور الوسيط الرئيسي بين الطرفين، عبر اتصالات غير مباشرة بين المسؤولين الإيرانيين ومبعوثي واشنطن، بعد أن طلب الجانبان منها التدخل لتسهيل الوصول إلى صيغة نهائية.

كما لعبت باكستان دوراً موازياً في دفع المسار الدبلوماسي، إذ أعلن رئيس الوزراء شهباز شريف قبل الاتفاق بساعات أن الطرفين أصبحا أقرب من أي وقت مضى إلى تفاهم شامل.

وفي طهران، وافق المرشد الإيراني على النص النهائي للاتفاق، ووجه بعرضه على المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي صادق عليه رغم اعتراض بعض الأصوات المتشددة داخله.

لكن الاتفاق واجه اختباراً خطيراً عندما نفذت إسرائيل ضربة على إحدى ضواحي بيروت، ما أثار غضب إيران التي اعتبرت الخطوة محاولة لإفشال المفاوضات. وأشارت الصحيفة إلى أن طهران وضعت صواريخ باليستية على منصات الإطلاق استعداداً للرد.

وأبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء القطريين أنهم يدرسون تعليق توقيع الاتفاق والرد عسكرياً على إسرائيل، إلا أن الدوحة كثفت اتصالاتها لإقناع طهران بأن التصعيد سيخدم معارضي الاتفاق.

ونقل القطريون رسائل متبادلة بين طهران وواشنطن، فيما حذر مسؤولون إيرانيون من أن الرد العسكري قد يدفع المنطقة إلى مواجهة جديدة ويطيح بالاتفاق قبل ولادته.

وبحسب التقرير، اعتبر مسؤولون إيرانيون أن الضربة الإسرائيلية كانت محاولة لاستدراج بلادهم إلى مواجهة أوسع، بينما رأت أطراف داخل القيادة الإيرانية أن الحفاظ على الاتفاق يحقق مكاسب استراتيجية أكبر.

وفي النهاية، نجحت الوساطة في تجاوز العقبة الأخيرة، ليتم الإعلان عن الاتفاق بعد مفاوضات وصفت بأنها من أكثر الجولات حساسية بين واشنطن وطهران منذ عقود.

ورغم توقيع مذكرة التفاهم، بقي الاتفاق أمام اختبارات كبيرة، خصوصاً مع استمرار الخلاف بشأن البرنامج النووي الإيراني، وتحفظ إسرائيل على المسار الجديد، وتهديد ترامب بالعودة إلى الخيار العسكري إذا لم تلتزم طهران بالتفاهمات.

وترى الصحيفة أن الاتفاق يمثل تحولاً مهماً في مسار العلاقة الأمريكية الإيرانية، لكنه لا ينهي الصراع الممتد منذ 47 عاماً، بل يفتح مرحلة جديدة من المفاوضات حول الملفات الأكثر تعقيداً في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى