سوريا والعراق تتفقان على تشكيل لجان قضائية لمراجعة قضايا سجناء تنظيم داعش

اتفقت سوريا والعراق على تشكيل لجان قضائية مشتركة لمراجعة ملفات سجناء تنظيم داعش الذين نُقلوا من مراكز الاحتجاز السورية إلى السجون العراقية خلال العام الجاري، في خطوة تستهدف تنظيم الإجراءات القانونية الخاصة بآلاف المعتقلين الذين ما زالت أوضاعهم القضائية محل متابعة إقليمية ودولية.
واستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، وفداً قضائياً عراقياً برئاسة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، حيث بحث الجانبان تعزيز التنسيق القانوني والقضائي بين دمشق وبغداد، إلى جانب ملف المعتقلين المنتمين إلى تنظيم داعش.
وقال وزير العدل السوري مظهر الويس، لوسائل الإعلام العراقية الرسمية إن الجانبين ناقشا قضية المعتقلين، واتفقا على تشكيل فرق فنية وخبراء لدراسة الملفات والتوصل إلى حلول مقبولة للطرفين.
وأكد القاضي ليث جبر، رئيس هيئة الإشراف القضائي العراقية، أن الجانبين اتفقا على تشكيل لجان قضائية مشتركة تعقد اجتماعات بصورة مستمرة لمعالجة الملفات المرتبطة بمحاكمات المعتقلين.
وقال جبر إن اللجان ستعمل على حل الملفات المتعلقة بمحاكماتهم، فيما وصف الويس الخطوة بأنها تمثل تقدماً واعداً، مؤكداً أن دمشق ستنتظر نتائج عمل اللجان خلال الفترة المقبلة.
وجاء الاتفاق بعد نقل نحو 5700 معتقل من سوريا إلى العراق في فبراير/شباط، في عملية أعلنت عنها القيادة المركزية الأمريكية ومسؤولون عراقيون، بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وكانت قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها الأكراد، تحتجز لسنوات آلاف المقاتلين المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش في السجون ومراكز الاحتجاز الواقعة شمال شرقي سوريا، إلى جانب آلاف النساء والأطفال من أفراد عائلاتهم في المخيمات.
وتزامنت عمليات نقل المعتقلين مع تغيرات ميدانية وسياسية واسعة في شمال شرقي سوريا، بعدما وسعت الحكومة السورية سيطرتها على مناطق كانت تخضع لقوات سوريا الديمقراطية في وقت سابق من العام، وسط اشتباكات أثارت مخاوف بشأن أمن السجون ومخيمات الاحتجاز.
ويحتجز العراق بالفعل آلاف العراقيين والأجانب المدانين بالارتباط بتنظيم داعش، فيما أصدرت محاكمه مئات الأحكام بالإعدام والسجن المؤبد بحق أشخاص أدينوا بجرائم مرتبطة بالإرهاب، بينهم مقاتلون أجانب.
وأثارت هذه المحاكمات انتقادات من منظمات حقوقية، خصوصاً بشأن سرعة بعض الإجراءات والمخاوف المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة.
ويعيد تشكيل اللجان القضائية المشتركة فتح ملف معقد يتعلق بمصير آلاف المعتقلين، خصوصاً مع اختلاف جنسياتهم والاتهامات الموجهة إليهم والمرحلة القانونية التي وصل إليها كل ملف.
كما يواجه العراق ضغوطاً لإيجاد حلول لمواطني دول أخرى انضموا إلى داعش خلال سنوات سيطرة التنظيم على مناطق واسعة من العراق وسوريا.
وكانت بغداد قد دعت دولاً، ولا سيما دول الاتحاد الأوروبي، إلى استعادة مواطنيها الذين سافروا للانضمام إلى التنظيم، في ظل استمرار الغموض بشأن الوضع القانوني لبعض المعتقلين وعائلاتهم.
وظهر تنظيم داعش بقوة في العراق وسوريا عام 2014، عندما سيطر على مساحات واسعة من البلدين وأعلن ما سماه “الخلافة”.
وبعد ثلاث سنوات، تمكنت القوات العراقية، بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، من استعادة جميع الأراضي التي كان التنظيم يسيطر عليها في العراق.
لكن هزيمة التنظيم عسكرياً لم تُنهِ ملفه الأمني والقضائي، إذ بقي آلاف المشتبه بانتمائهم إليه محتجزين في سوريا والعراق، بينما ظلت مسألة محاكمة الأجانب وإعادتهم إلى بلدانهم من أكثر الملفات تعقيداً أمام الحكومات والمنظمات الدولية.
وتأتي الخطوة السورية العراقية في وقت تشهد فيه العلاقات بين دمشق وبغداد تقارباً متزايداً على ملفات متعددة، بعد مرحلة من الحذر العراقي تجاه الحكومة السورية الجديدة عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وتوسع التعاون بين البلدين ليشمل ملفات اقتصادية وأمنية، فيما تبحث دمشق وبغداد تطوير العلاقات التجارية وإعادة تشغيل خط أنابيب النفط الذي يربط مركز النفط العراقي في كركوك بميناء بانياس السوري، إلى جانب ملفات أمن الحدود ومكافحة تنظيم داعش.
ودفعت التطورات الإقليمية الأخيرة، بما فيها الحرب مع إيران والضغوط الأمريكية، البلدين إلى تعزيز التنسيق بينهما، في وقت أصبح فيه ملف تنظيم داعش أحد أبرز الملفات الأمنية المشتركة التي تتطلب معالجة قضائية تتجاوز الحدود الوطنية.
ويبقى التحدي الأساسي أمام اللجان الجديدة هو تحقيق توازن بين محاسبة المتهمين بجرائم خطيرة وضمان حقوقهم القانونية، خصوصاً أن أي محاكمات جماعية أو إجراءات تفتقر إلى الضمانات القضائية قد تعيد إنتاج الإشكالات التي رافقت محاكمات سابقة لعناصر التنظيم.















