السعودية ترفع إنتاجها النفطي بأكثر من مليون برميل يومياً وسط اضطراب طرق التصدير

أبلغت السعودية منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك” بأنها رفعت إنتاجها من النفط الخام بأكثر قليلاً من مليون برميل يومياً خلال يوليو، في مؤشر على استعادة جزء من الإنتاج الخليجي بعد فترة التراجع الحاد التي رافقت الحرب مع إيران وقيود الملاحة في المنطقة.
وقالت السعودية إنها ضخت نحو 8.2 مليون برميل يومياً في يوليو، مقارنة بنحو 7.1 مليون برميل يومياً في يونيو، وفق بيانات تقرير “أوبك” التي نقلتها بلومبيرغ. ويعكس الارتفاع استئناف جزء من عمليات الإنتاج خلال فترة التهدئة المؤقتة التي شهدتها الحرب، لكنه لا يعني عودة القطاع النفطي السعودي إلى مستويات ما قبل الحرب.
ويظل الإنتاج السعودي أقل بملايين البراميل يومياً من المستويات التي كانت سائدة قبل اندلاع الصراع، فيما تكشف بيانات السوق عن فجوة لافتة بين الكميات المنتجة والكميات التي وصلت فعلياً إلى المشترين.
وأبلغت الرياض “أوبك” بأنها ضخت نحو 780 ألف برميل يومياً أكثر مما سلمته إلى السوق، في مؤشر على أن جانباً من الزيادة الإنتاجية لم يتحول إلى صادرات، وإنما اتجه إلى المخزونات المحلية.
وقدرت وكالة الطاقة الدولية أن مخزونات السعودية من النفط الخام وصلت في مطلع أغسطس إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2016 على الأقل، ما يعكس صعوبة تحويل الزيادة في الإنتاج إلى تدفقات تصديرية طبيعية في ظل اضطراب الممرات البحرية.
وتضع هذه الفجوة السوق أمام معادلة مختلفة: السعودية تستطيع إعادة تشغيل آبار الإنتاج، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها إعادة فتح طرق التصدير الآمنة.
ويظل مضيق هرمز وباب المندب أبرز نقطتي اختناق أمام صادرات الطاقة السعودية، إذ يمر الأول عبر الخليج، بينما يشكل الثاني الطريق البحري الرئيسي من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي.
وأدى تجدد القتال بين الولايات المتحدة وإيران إلى استمرار المخاطر حول مضيق هرمز، في حين زادت تهديدات الحوثيين للسفن المرتبطة بالسعودية من المخاطر في البحر الأحمر. وأكدت تقارير حديثة أن ناقلات النفط السعودية باتت تستخدم ترتيبات أكثر تحفظاً في البحر الأحمر، بما في ذلك إخفاء بيانات التتبع لتقليل مخاطر الاستهداف.
ودفعت هذه الظروف السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على بنيتها التحتية البرية لنقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر.
ويبرز هنا خط أنابيب الشرق-الغرب الذي يربط مناطق الإنتاج في شرق السعودية بميناء ينبع على البحر الأحمر، ويوفر للمملكة منفذاً لتجاوز مضيق هرمز. وتؤكد أرامكو أن الخط يمثل عنصراً أساسياً في ربط منشآت الإنتاج بالمنشآت الساحلية على جانبي المملكة.
لكن قدرة هذه البنية التحتية ليست بلا حدود، ما يعني أن السعودية تستطيع تعويض جزء من اضطراب هرمز عبر البحر الأحمر، لكنها لا تستطيع ببساطة تحويل كامل صادراتها المعتادة إلى المسار البديل.
ورغم ذلك، تمكن منتجو النفط في الخليج من إخراج كميات كبيرة من الخام عبر ترتيبات نقل بديلة. وأظهرت بيانات أخرى أن إنتاج “أوبك” ارتفع خلال يوليو مع تعافي إنتاج دول الخليج بعد الانخفاض الكبير الذي تسبب فيه الصراع. ووفق مسح لرويترز، ارتفع إنتاج أوبك بنحو 1.17 مليون برميل يومياً في يوليو، مدفوعاً بصورة أساسية بمنتجي الخليج.
وفي المقابل، أثارت تصريحات وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت بشأن عودة صادرات النفط من الشرق الأوسط إلى مستويات ما قبل الحرب شكوكاً واسعة في سوق الطاقة.
وقال رايت إن صادرات النفط ارتفعت إلى مستويات أعلى من تلك التي كانت سائدة قبل الحرب، وإن التدفقات عبر مضيق هرمز عادت تقريباً إلى طبيعتها، مستنداً إلى ترتيبات أمريكية مع دول خليجية واستخدام خطوط أنابيب ومنشآت تصدير بديلة.
لكن بيانات حركة السفن لا تتطابق بسهولة مع هذه الصورة المتفائلة.
وأظهرت بيانات شركة “كبلر” أن عدد السفن التي عبرت مضيق هرمز خلال الأسبوع الماضي بلغ 84 سفينة فقط، بينها تسع سفن يوم الأحد، وهو مستوى أقل بكثير من أكثر من 100 عبور يومياً قبل الحرب.
وقال مات سميث، مدير أبحاث السلع الأولية في “كبلر”، إن الفارق بين البيانات المرصودة والأرقام التي يستند إليها رايت يصعب التوفيق بينهما.
وتعني هذه الفجوة أن عودة بعض النفط إلى الأسواق لا تعني بالضرورة عودة الملاحة إلى طبيعتها. فقد تمكنت الدول المنتجة من استخدام المخزونات وخطوط الأنابيب والموانئ البديلة والأساطيل البحرية المتاحة لتقليل آثار الإغلاق، لكن ذلك لا يعوض بصورة كاملة التدفقات التي كانت تمر عبر الممرات البحرية قبل الحرب.
وتشير التطورات إلى أن السعودية تواجه في الوقت نفسه قدرة إنتاجية متزايدة وقدرة تصديرية مقيدة. وكلما طال أمد اضطراب الملاحة، زادت احتمالات تراكم الخام داخل المملكة، حتى مع إعادة تشغيل الحقول.
كما يضغط هذا الوضع على استراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تسعى إلى إبقاء أسعار النفط منخفضة، إذ إن ارتفاع الإنتاج السعودي والخليجي يساعد نظرياً في زيادة المعروض العالمي، لكن استمرار المخاطر الأمنية يمنع تحول كامل هذه الكميات إلى صادرات فعلية.
وتزداد صعوبة المشهد مع استخدام بعض الناقلات ما يسمى “أسطول الظل”، وإيقاف أجهزة التتبع أو استخدام ترتيبات ملكية وأعلام معقدة لتقليل مخاطر العقوبات أو الهجمات، ما يجعل تقدير التدفقات الحقيقية أكثر صعوبة.
وتكشف الأرقام السعودية في النهاية أن الانتعاش النفطي موجود، لكنه لا يزال انتعاشاً إنتاجياً أكثر منه تصديرياً. فقد استعادت المملكة أكثر من مليون برميل يومياً من إنتاجها خلال يوليو، لكنها لم تتمكن من دفع الكمية نفسها إلى الأسواق.
وبذلك يبقى مستقبل الإنتاج السعودي مرتبطاً مباشرة بمصير مضيقي هرمز وباب المندب، وبقدرة المملكة على تحويل طاقتها الإنتاجية إلى صادرات آمنة ومستقرة.















