فضيحة المسح الرقمي: الإمارات تمحو هند العويس من الإنترنت بعد انكشاف رسائلها مع جيفري إبستين

في خطوة تعكس نمطًا متكررًا من إدارة الفضائح عبر الحذف والطمس بدل الشفافية والمساءلة، أقدمت السلطات الإماراتية على إزالة شبه كاملة لاسم وصورة وأدوار الدبلوماسية هند العويس من الفضاء الرقمي، وذلك بعد أيام فقط من كشف وزارة العدل الأمريكية عن مئات رسائل البريد الإلكتروني المرتبطة بالممول الأمريكي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.
وأظهر التحقيق الذي أجراه موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، أن الإشارات إلى العويس، التي شغلت منصب مديرة اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في الإمارات، قد حُذفت بهدوء ومنهجي من مواقع إلكترونية رسمية، ومن حسابات التواصل الاجتماعي التابعة لهيئات حكومية وشبه حكومية، في محاولة واضحة لإعادة كتابة السجل العام بعد انكشاف المراسلات.
وشملت عمليات الحذف حسابات اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان على إنستغرام وX ولينكدإن، إضافة إلى موقعها الإلكتروني، بما في ذلك منشورات حديثة لم يتجاوز عمر بعضها أسبوعين فقط، كانت تُعرّف العويس بصفتها مديرة “المركز الفلبيني لحقوق الإنسان”.
كما أزيلت منشورات توثق مشاركتها في المؤتمر العالمي السادس للتسامح والأخوة الإنسانية، الذي عُقد في دبي في فبراير 2025، رغم أن معاينات هذه المنشورات لا تزال ظاهرة في نتائج بحث غوغل.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد اختفت أيضًا صفحة من موقع أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية كانت تذكر العويس منسقةً لإحدى الجلسات، بحسب أرشيف Wayback Machine، الذي يؤكد أن الصفحة كانت متاحة حتى ديسمبر 2025 قبل أن تُستبدل برسالة “404 الصفحة غير موجودة”.
وتعد الأكاديمية، التي سُمّيت على اسم أنور قرقاش، من أبرز أذرع الدبلوماسية الإماراتية الناعمة.
كما حُذفت صفحات تعريفية للعويس من مواقع أخرى، بينها موقع قمة الحكومات العالمية في دبي، حيث كانت تُعرّف حتى مايو 2025 كمتحدثة سابقة و”نائبة الرئيس الأولى للمشاركين الدوليين في إكسبو 2020”. اليوم، لم يعد لهذه الصفحات أي وجود، ويُعاد توجيه المستخدمين إلى الصفحات الرئيسية، في مسعى واضح لمحو الأثر الرقمي بالكامل.
وتزامن هذا المسح المنهجي مع نشر وزارة العدل الأمريكية مراسلات إلكترونية تثبت تبادل رسائل بين العويس وإبستين بين عامي 2010 و2012، أي بعد إدانته عام 2008 بتهمة استدراج قاصر لممارسة الدعارة.
ورغم عدم وجود ما يشير إلى تورط العويس في أي نشاط إجرامي، فإن مضمون الرسائل يكشف علاقة شخصية ومهنية وثيقة، شملت طلبات لقاء متكررة، ومساعدة في فرص عمل، وأسئلة مباشرة حول “كيفية جني المال”.
وفي إحدى الرسائل، تدعو العويس إبستين للقاء شقيقتها، وفي أخرى تسأله عن أفكار للحصول على وظيفة في نيويورك.
كما تظهر إشارات متكررة إلى “صاحب السمو”، وهو لقب لا يُستخدم في الإمارات إلا للإشارة إلى كبار أفراد العائلات الحاكمة، دون توضيح هوية المقصود، ما يفتح باب تساؤلات خطيرة حول دوائر النفوذ التي كان إبستين على تماس معها.
وبدل الرد بشفافية أو فتح تحقيق علني، اختارت السلطات الإماراتية نهج الإخفاء الرقمي. ولم يصدر أي تعليق رسمي من وزارة الخارجية الإماراتية أو المجلس الأعلى لحقوق الإنسان أو الجهات المنظمة لقمة الحكومات العالمية، رغم محاولات متكررة للحصول على رد.
في المقابل، نشط عدد من المؤثرين الإماراتيين في الدفاع عن العويس، معتبرين أن “التواصل المهني لا يعني تورطًا إجراميًا”.
غير أن هذا الدفاع يغفل جوهر القضية: لماذا تُمحى السجلات الرسمية إذا كان الأمر مجرد تواصل مهني مشروع؟ ولماذا يُزال تاريخ كامل لمسؤولة تولت ملف “حقوق الإنسان” في دولة تُسوّق نفسها كواحة للتسامح؟
واللافت أن هذه الفضيحة لا تأتي بمعزل عن سياق أوسع. فقبل أيام فقط، أُزيح رجل الأعمال الإماراتي البارز سلطان أحمد بن سليم من مناصبه بعد تدقيق مشابه في علاقته الطويلة بإبستين، والتي كشفت رسائلها عن علاقات شخصية ونقاشات حساسة وزيارات لجزيرته الخاصة.















