فورين بوليسي: الاتفاق مع باكستان يمنح السعودية غطاءً استراتيجيًا خارج المظلّة الأمريكية

قالت مجلة فورين بوليسي الأمريكية، إن الاتفاق النووي الذي وقعته قبل أسابيع المملكة العربية السعودية مع باكستان يمنح الرياض غطاءً استراتيجيًا خارج المظلّة الأمريكية وذلك في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع والدعم الأميركي المفتوح للضربات الإسرائيلية في أنحاء الشرق الأوسط.

واعتبرت المجلة أن التوقيع السعودي–الباكستاني على اتفاقية دفاع متبادل استراتيجية (SMDA) كحدث مفصلي، يحمل دلالات تتجاوز العلاقة الثنائية، ليعكس تحوّلًا أوسع في مفهوم الردع والأمن الإقليمي.

وأشارت إلى أن الاتفاق، الذي وُقّع هذا الخريف، لم تُكشف بعد تفاصيله الكاملة، إلا أن مضمونه العام يشير إلى مسارين متوازيين: سعي سعودي حثيث للحصول على ضمانات أمنية خارج العباءة الأمريكية، واستعداد باكستاني – ولو ضمنيًا – لتوسيع نطاق مظلتها النووية لأول مرة خارج حدودها الجغرافية. وهو تطور، إن تأكد، سيشكّل سابقة خطيرة في معادلات الردع النووي خارج الإطار الغربي.

شراكة قديمة بثوب جديد

العلاقة بين الرياض وإسلام آباد ليست وليدة اللحظة. فمنذ استقلال باكستان عام 1947، قامت هذه الشراكة على تبادل المصالح: دعم مالي ونفطي سعودي، مقابل تعاون عسكري وخدمات بشرية باكستانية.

وقد بلغت هذه العلاقة ذروتها خلال ثمانينيات القرن الماضي في مواجهة الثورة الإيرانية والوجود السوفيتي في أفغانستان، ثم تعززت خلال حرب الخليج مطلع التسعينيات.

وفي عام 1998، لعبت السعودية دورًا مهمًا في تخفيف العزلة السياسية والاقتصادية التي فُرضت على باكستان عقب تجاربها النووية، وهو ما ترك أثرًا طويل الأمد في حسابات النخب الباكستانية.

ورغم فترات التباين، خاصة بشأن حرب اليمن أو أزمة حصار قطر، حافظ الطرفان على حد أدنى من الشراكة الاستراتيجية، تُرجمت بحزم إنقاذ مالية سعودية، وتدريب مستمر للقوات السعودية على يد الجيش الباكستاني.

سياق إقليمي مضطرب

يأتي توقيع اتفاقية SMDA في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فالحرب على غزة جمّدت فعليًا مسار التطبيع السعودي–الإسرائيلي، وأضعفت زخم «اتفاقيات أبراهام».

وفي الوقت نفسه، وسّعت إسرائيل دائرة ضرباتها لتشمل لبنان وسوريا واليمن وحتى أهدافًا داخل إيران، في ظل غطاء سياسي أميركي شبه مطلق.

غير أن تردد واشنطن في فرض خطوط حمراء واضحة، أو تقديم ضمانات صلبة لحلفائها الخليجيين، أضعف صورتها كضامن أمني موثوق. وقد مثّل استهداف الدوحة دون ردع فعّال لحظة مفصلية، أظهرت هشاشة الترتيبات الأمنية التقليدية، ودَفعت الرياض إلى البحث عن بدائل تُقلّل اعتمادها الأحادي على الولايات المتحدة.

ومن اللافت أن الإعلان عن الاتفاق السعودي–الباكستاني تزامن مع مساعٍ أميركية متأخرة لطمأنة حلفائها الخليجيين، عبر تعهدات تنفيذية قابلة للتراجع مع تغيّر الإدارات ما عزّز الانطباع بأن الرياض باتت ترى في تنويع شراكاتها الأمنية ضرورة استراتيجية لا خيارًا تكتيكيًا.

غطاء نووي غير معلن

أكثر ما يثير القلق في اتفاقية SMDA هو الغموض المتعمّد حول نطاقها العسكري. فالإشارة إلى الدفاع «بجميع الوسائل» فتحت الباب أمام تأويلات تتعلق بإمكانية امتداد الردع النووي الباكستاني ليشمل السعودية، ولو بصيغة غير رسمية.

وبحسب المجلة فإن هذا الاحتمال، حتى وإن ظل في إطار الردع النفسي، كفيل بإثارة قلق إقليمي ودولي واسع، وفتح نقاشات جديدة حول انتشار السلاح النووي في الشرق الأوسط.

وبالنسبة للسعودية، يمنح هذا الغموض هامش مناورة إضافيًا في مواجهة خصومها الإقليميين، ويعزز موقعها التفاوضي مع واشنطن. أما باكستان، فيوفر لها الاتفاق نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا أكبر، لكنه في المقابل يعرّضها لتدقيق دولي وضغوط قد تعقّد علاقاتها مع قوى كبرى.

مخاطر التورّط المتبادل

رغم المكاسب الظاهرة، لا يخلو الاتفاق من مخاطر. فالاصطفاف الأمني مع باكستان قد يزج بالسعودية، ولو سياسيًا، في صراعات جنوب آسيا، خاصة في ظل التوتر الدائم بين إسلام آباد ونيودلهي.

فالهند، ثالث أكبر شريك تجاري للرياض، قد تنظر إلى الاتفاق بعين الريبة، خصوصًا إذا تطوّر إلى تعاون استخباراتي أو دفاعي متقدم.

في المقابل، قد تجد باكستان نفسها أكثر انخراطًا في أزمات الشرق الأوسط وصراعات الوكالة، وهو مسار حاولت تاريخيًا تجنّبه.

كما أن الحديث عن الاتفاق كنواة محتملة لـ«ناتو إسلامي» يزيد من حالة الغموض، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان الأمر مجرد ترتيب ثنائي أم بداية لتكتل عسكري أوسع قد يعمّق الاستقطاب بدلًا من تحقيق الاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى