الغارديان: اتفاق وقف النار في غزة يعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرًا للكاتب جيسون بيرك، تناول فيه تداعيات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، مشيرًا إلى أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المكوّنة من عشرين بندًا، أجبرت القوى المتنافسة في المنطقة على تجاوز خلافاتها والتعاون بعد سنوات من التوتر والصراع.
وقال بيرك إن الحرب الأخيرة في غزة خلّفت آثارًا عميقة على الشرق الأوسط، إذ قلبت مسلّمات راسخة، وأعادت رسم الخريطة الجيوسياسية، وأطلقت تحولات واسعة في الرأي العام الإقليمي. وأضاف أنه كما كانت للحرب عواقب وخيمة، فمن المرجّح أن يكون لأي سلام دائم آثار سياسية واستراتيجية بعيدة المدى.
ونقل الكاتب عن مخيمر أبو سعدة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة والمقيم حاليًا في القاهرة، قوله: “لم تمضِ سوى أيام قليلة على وقف إطلاق النار، ورأينا بالفعل انتهاكات متكررة من الجانبين، الإسرائيلي وحماس. وبعد كل هذا الدمار وسفك الدماء، أعتقد أن أي تقدم نحو مسار إيجابي سيحتاج إلى وقت طويل”.
تحول في المشهد الإقليمي
يرى بيرك أن الطريقة التي انتهت بها الحرب بدأت بالفعل تُحدث تحولات في موازين القوى والسياسات الإقليمية. فقد أدت فكرة ترامب المثيرة للجدل بتحويل غزة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط” خالية من سكانها الفلسطينيين إلى حشد غير مسبوق للقوى الإقليمية، ثم تسارعت التطورات مع تنفيذ مراحل الخطة الأمريكية.
وأشار التقرير إلى أن التوصل إلى اتفاق حول المرحلة الأولى من الخطة جاء نتيجة ضغوط مكثفة مارستها واشنطن على إسرائيل، بالتوازي مع ضغوط قطرية وتركية على حركة حماس.
ونتيجة لذلك، أصبحت قطر ضمن الدائرة الموثوق بها لدى ترامب، إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أشاد به الرئيس الأمريكي خلال القمة العاجلة التي عُقدت الأسبوع الماضي في منتجع شرم الشيخ المصري، واصفًا إياه بـ”الصديق القوي”.
ويضيف الكاتب أن هذا الموقف يُظهر تغيرًا لافتًا في رؤية ترامب تجاه أردوغان، وهي رؤية لم يكن يشاركه فيها دائمًا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، شريكه في استضافة القمة.
مصر وتركيا في صدارة المشهد
وفق التقرير، تُعد تركيا ومصر — وربما الأردن — أبرز المرشحين للمشاركة في “قوة الاستقرار الدولية” المزمع نشرها في غزة بموجب الخطة.
ويرى بيرك أن هذا الدور يمنح البلدين فرصًا جديدة لكنه ينطوي أيضًا على تحديات ومخاطر محتملة، وهو ما سيدفعهما إلى محاولة تقليل الاحتكاك، على الأقل في المدى القريب.
وأشار مراقبون إلى أن القمة شهدت مؤشرات على تحولات أكبر، كان أبرزها حضور رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الذي يخوض معركة انتخابية شرسة للفوز بولاية ثانية.
فقد ظهر السوداني في صورة مع ترامب، وأشاد بتوني بلير — المرشح لقيادة “مجلس السلام”، الهيئة الإدارية المقترحة لإدارة غزة — واصفًا إياه بـ”الصديق العزيز للعراق”، في موقف أثار دهشة العديد من المراقبين في المنطقة.
العراق يبتعد عن طهران
يقول بيرك إن العراق، الذي ظل ضمن دائرة النفوذ الإيراني منذ الغزو الأمريكي عام 2003، يبدو اليوم على وشك التحول نحو المحور العربي.
ونقل عن مايكل نايتس، رئيس قسم الأبحاث في شركة الاستشارات العالمية هورايزون إنغيج والمحلل المتخصص في الشأن العراقي، قوله: “يمكن ملاحظة انجذاب العراق نحو العالم العربي، وهذا تطور مهم للغاية”، مشيرًا إلى أن بغداد تدرس حتى إرسال قوات للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية في غزة.
ويرى الكاتب أن هذا الميل العراقي نحو المحيط العربي قد يُغضب طهران، التي تجد نفسها اليوم أمام حصيلة قاتمة لأربعٍ وعشرين شهرًا من الصراع، بعدما كشفت المواجهة القصيرة مع إسرائيل ضعف قدراتها العسكرية، وتعرض برنامجها النووي المكلِف لأضرار غير معروفة المدى، إضافة إلى إعادة فرض العقوبات الغربية عليها.
يضيف بيرك أن وقف إطلاق النار في غزة يضع نهاية فعلية لتحالف الميليشيات المسلحة الذي اعتمدت عليه طهران ضمن ما سمّته “إستراتيجية الدفاع الأمامي”. فـ”حزب الله” في لبنان لم يعد سوى ظلٍ لما كان عليه، ويواجه مستقبلًا غامضًا قد يصل إلى حد نزع سلاحه. كما أن نظام بشار الأسد في سوريا فقد مقومات بقائه كحليف فعّال، بينما أُجبرت “حماس” على وقف القتال وربما على تسليم سلاحها في مرحلة لاحقة.
ويعتقد نايتس أن ما يحدث الآن قد يكون نقطة انطلاق نحو شكل جديد من التكامل الإقليمي، إذ يمكن أن يعيد فتح النقاش حول إقامة روابط برية تربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسط، إلى جانب استئناف الحوارات الأوسع بشأن التطبيع الدبلوماسي والاقتصادي مع إسرائيل.
غضب شعبي وتطبيع محتمل
وفي ختام تقريره، يشير بيرك إلى أن قادة المنطقة يدركون حجم الغضب الشعبي الناتج عن الحرب الإسرائيلية على غزة، التي أودت بحياة أكثر من 68 ألف شخص. ومع ذلك، فإن وقف إطلاق النار أوجد بيئة سياسية جديدة تتيح مناقشة توسيع اتفاقيات أبراهام، التي وقعتها أربع دول عربية قبل خمس سنوات.
ويؤكد الكاتب أن خطة ترامب تتجاوز حدود غزة، إذ يتحدث الرئيس الأمريكي عن إمكانية تطبيع إسرائيل لعلاقاتها مع السعودية وإندونيسيا وربما دول أخرى، في مسعى لإعادة ترتيب الشرق الأوسط على أسس جديدة تتجاوز الانقسامات القديمة، وتؤسس لمرحلة مختلفة من العلاقات بين العرب وإسرائيل.















