شركات تكشف تعطل التحويلات المالية من السعودية إلى الإمارات وسط تصاعد التوتر بينهما

كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن شركات تعمل بين السعودية والإمارات تواجه تعطلاً وتأخيراً في التحويلات المالية من بنوك داخل المملكة إلى حسابات مصرفية في الإمارات، في مؤشر جديد على امتداد التوتر السياسي بين البلدين إلى العلاقات التجارية والمالية، رغم تأكيدات سابقة بأن الخلافات لن تؤثر على التعاون الاقتصادي.
وقالت الصحيفة إن مدفوعات صادرة من جهات سعودية إلى شركات وأفراد يقيمون في دبي تعرضت للإرجاع أو التأخير منذ شهر مايو/أيار الماضي، مشيرة إلى أن المتعاملين لم يتلقوا تفسيرات واضحة بشأن أسباب تلك الإجراءات.
ونقلت عن مسؤول تنفيذي غربي في شركة للرعاية الصحية مقرها دبي أن ثلاث دفعات مالية أرسلها عميل سعودي تتعامل معه الشركة منذ سنوات أُوقفت وأُعيدت من قبل بنوك سعودية منذ منتصف مايو، موضحاً أن الأموال كانت تُحتجز لنحو أسبوع كامل قبل إعادتها دون توجيه أي استفسارات إلى المرسل أو المستفيد.
وأضاف المسؤول أن العميل السعودي حاول تنفيذ تحويل شخصي كحل بديل، إلا أن العملية رُفضت أيضاً، مشيراً إلى أن مسؤولي البنك أبلغوه بوجود تعليمات صادرة عن البنك المركزي السعودي، من دون تقديم أي تفاصيل إضافية حول طبيعة تلك التعليمات.
وفي المقابل، أكد البنك المركزي السعودي أن القطاع المالي في المملكة يعمل ضمن إطار تنظيمي قوي، نافياً وجود قيود مباشرة تستهدف دولة بعينها، وأضاف أن البنوك تطبق إجراءات قائمة على تقييم المخاطر بصورة متسقة على جميع المعاملات بهدف حماية سلامة النظام المالي.
وأفاد مسؤول تنفيذي آخر مقيم في دبي بأن المدفوعات التي يتلقاها من إحدى الشركات السعودية أصبحت تستغرق وقتاً أطول بكثير من المعتاد، الأمر الذي تسبب في تعطيل توريد البضائع، مشيراً إلى أن كثيراً من الموردين السعوديين يعتمدون على شركات مقرها الإمارات، وأن استمرار هذه العراقيل يلحق الضرر بالسوق السعودية نفسها.
وأوضحت الصحيفة أن السعودية والإمارات تمتلكان أكبر اقتصادين في العالم العربي، ويتجاوز حجم التبادل التجاري السنوي بينهما عشرين مليار دولار، كما تعتمد شركات عديدة على دبي مركزاً لإدارة أعمالها المرتبطة بالسوق السعودية.
لكن الصحيفة أشارت إلى أن العلاقات بين البلدين شهدت تصاعداً ملحوظاً في التوتر منذ أن اتهمت الرياض أبوظبي بدعم فصيل يمني انفصالي نفذ هجوماً ضد قوات متحالفة مع السعودية في اليمن خلال ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وأضافت أن المملكة وجهت اتهامات مباشرة للإمارات بتهديد أمنها القومي من خلال دعم ذلك الفصيل، رغم أن البلدين كانا يشكلان سابقاً العمود الفقري للتحالف العسكري الذي تدخل في اليمن عام 2015 لمواجهة جماعة الحوثي.
ورأت الصحيفة أن هذه الأزمة أحدثت أكبر شرخ بين الرياض وأبوظبي منذ عقود، وكشفت عن حجم الخلافات المتراكمة بين الطرفين، سواء بسبب التنافس الاقتصادي أو تباين مواقفهما من ملفات إقليمية مختلفة.
وأشارت إلى أن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منحت انطباعاً مؤقتاً بتراجع الخلافات الخليجية، بعدما سعت دول المنطقة إلى إظهار موقف موحد في مواجهة التهديدات الإيرانية، إلا أن محللين أكدوا أن ذلك لم يكن سوى هدنة مؤقتة أخفت الخلافات القائمة من دون أن تعالج أسبابها.
وأضافت أن الإمارات فاجأت شركاءها الخليجيين في أواخر أبريل/نيسان بإعلان انسحابها من منظمة أوبك، في خطوة اعتُبرت ضربة سياسية واقتصادية للسعودية التي تقود المنظمة فعلياً، خاصة أن الإمارات كانت ثالث أكبر منتج للنفط داخل التكتل.
وقالت أبوظبي إن قرار الانسحاب يرتبط برؤيتها الاقتصادية وخططها المستقبلية في قطاع الطاقة، إلا أن الصحيفة أشارت إلى أن الإمارات كانت تبدي منذ سنوات استياءها من حصص الإنتاج التي تفرضها أوبك، وهو ما جعل القرار يُفسَّر على نطاق واسع باعتباره تعبيراً عن اتساع فجوة الخلاف مع الرياض.
وفي المقابل، أكد مسؤول إماراتي أن وزارة الاقتصاد لم تتلق أي شكاوى رسمية من شركات القطاع الخاص بشأن وجود عراقيل أو تأخيرات غير معتادة في التحويلات المالية بين البلدين، مشدداً على أن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الإمارات والسعودية لا تزال عميقة وطويلة الأمد، وأن السلطات الإماراتية ستراجع أي شكاوى محددة إذا قُدمت عبر القنوات الرسمية.
غير أن الصحيفة نقلت عن رجل أعمال إماراتي قوله إنه اضطر إلى تحويل الأموال عبر البحرين بعدما واجهت شركته عراقيل مصرفية غير مفسرة عند استقبال تحويلات من السعودية.
كما أفادت بأن مزود خدمات مقره دبي اضطر الشهر الماضي إلى اللجوء إلى خدمة “باي بال” بعد إلغاء دفعة مصرفية كان يفترض أن يتلقاها من عميل سعودي، موضحاً أنه لم يتلق أي تفسير من البنك، كما لم يحصل العميل السعودي على أي توضيحات، سوى رسالة إلكترونية تفيد بفشل العملية.
وأضافت الصحيفة أن شركة متعددة الجنسيات واجهت بدورها صعوبات في تحويل أموال من المملكة إلى إحدى الشركات التابعة لها في الإمارات، بحسب مسؤول مصرفي كبير، الذي أكد أن بعض التحويلات التي توقفت كانت بمبالغ صغيرة، ما زاد من الغموض حول أسباب تعطيلها.
كما نقلت عن مصدر مطلع أن أفراداً يحولون أموالاً بين حساباتهم الشخصية أو إلى أفراد من عائلاتهم وأصدقائهم واجهوا أيضاً مشكلات مماثلة خلال الأسابيع الأخيرة، في تطور يثير مخاوف من انعكاس الخلافات السياسية المتصاعدة بين الرياض وأبوظبي على حركة الأموال والتبادل التجاري بين أكبر اقتصادين في الخليج.















