موقع بريطاني: حزب الله يبدي استعداده لفتح صفحة جديدة مع السعودية

قال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن حزب الله اللبناني أبدى استعداده لفتح صفحة جديدة مع المملكة العربية السعودية، في خطوةٍ غير مسبوقة منذ سنوات من القطيعة والتوتر.

وأشار الموقع إلى أن خطوة حزب الله تأتي تزامناً مع تصاعد الضغط العسكري الإسرائيلي على لبنان والتدقيق الدولي المتزايد في سلاح الحزب ودوره الداخلي، وتمثل تحولا لافتا يعكس إعادة تموضع إقليمي داخل محور الممانعة.

وفي خطاب متلفز ألقاه نهاية سبتمبر الماضي، دعا الأمين العام الحالي للحزب الشيخ نعيم قاسم إلى “بدء مرحلة جديدة” في العلاقات مع الرياض، مؤكدًا أن “سلاح المقاومة موجه ضد العدو الإسرائيلي فقط، وليس ضد أي دولة عربية أو إسلامية”.

وأضاف قاسم أن “التهديد الحقيقي للشرق الأوسط هو إسرائيل، لا السعودية ولا أي طرف عربي آخر”، في ما فُهم على نطاق واسع بأنه رسالة تطمين سياسية موجهة للرياض وللعواصم الخليجية.

وشكل هذا الخطاب تحولًا واضحًا في نبرة حزب الله، الذي كان حتى وقت قريب يعتبر السعودية خصمًا رئيسيًا في الساحة اللبنانية والإقليمية بسبب دعمها للمعارضة السورية وانتقاداتها المستمرة لتدخلات الحزب العسكرية في المنطقة.

من التصنيف الإرهابي إلى “إعادة الانخراط”

بلغت العلاقات بين الطرفين أدنى مستوياتها عام 2016 عندما صنّف مجلس التعاون الخليجي حزب الله “منظمة إرهابية”.

غير أن المناخ الإقليمي تغيّر منذ اتفاق الانفراج السعودي الإيراني الذي وُقّع في بكين عام 2023، ما فتح الباب أمام إعادة تقييم متبادلة بين القوى المتصارعة في المنطقة.

وفي يونيو 2024، أزالت جامعة الدول العربية الحزب من قائمة الإرهاب، في خطوةٍ فُسرت آنذاك كجزء من تسوية ضمنية بين الرياض وطهران تهدف إلى احتواء التوتر الإقليمي، وتجنّب انفجار جبهات جديدة في ظلّ اشتعال الحرب في غزة ولبنان.

وأكدت مصادر قريبة من الحزب لرويترز أن المبادرة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت “نتيجة جهود دبلوماسية هادئة” قادها مسؤولون إيرانيون لإعادة تفعيل قنوات التواصل غير الرسمية مع المملكة.

وقال مصدر إيراني مطلع إن “الرسالة التي حملها نعيم قاسم هي في جوهرها رسالة من طهران، تؤكد رغبة القيادة الإيرانية في خفض التوتر مع السعودية وتجنب مواجهة مفتوحة”.

واعتبر المحلل اللبناني مايكل يونغ من مركز “كارنيغي للشرق الأوسط” أن خطاب قاسم “يمثل إعادة ضبط إيرانية أكثر مما هو مبادرة لبنانية”، موضحًا أن إيران “ترى أن التحالفات الإقليمية تتبدل، وأن السعودية باتت تنظر لإسرائيل بوصفها مصدر التهديد الأكبر، مما يفتح نافذة محتملة للتفاهم”.

وخلال زيارته إلى بيروت الشهر الماضي، صرّح علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، قائلاً: “نرحب بموقف الشيخ نعيم قاسم، والمملكة العربية السعودية دولة شقيقة لنا، والمشاورات بيننا مستمرة.”

خلفية التحول: ضغوط إقليمية وانهيار داخلي

يأتي خطاب حزب الله في لحظةٍ حساسة بالنسبة للبنان، الذي يعيش أزمة اقتصادية غير مسبوقة أفقدت العملة المحلية أكثر من 98% من قيمتها منذ 2019. وفي ظل غياب أي أفق للمساعدات الدولية، تُطالب القوى الغربية والعربية بنزع سلاح الفصائل غير الحكومية شرطًا لاستئناف الدعم المالي.

وفي أغسطس الماضي، تبنّت الحكومة اللبنانية – تحت ضغط أميركي – اقتراحًا لإطلاق خطة “دمج المقاومة في الجيش اللبناني”، وهو ما رفضه الحزب واعتبره “استسلامًا لإسرائيل”.

ورغم الخطاب التصالحي، ما زال الحزب يتعرض لغارات إسرائيلية شبه يومية منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، أسفرت عن مقتل عشرات المقاتلين و103 مدنيين على الأقل. ولم يرد الحزب عسكريًا حتى الآن، في إشارة إلى أنه يمرّ بمرحلة ضبط تكتيكي للردود.

ويرى المحلل السياسي اللبناني قاسم قصير، المقرب من الحزب، أن تصريحات قاسم “تأتي في سياق التغيرات الإقليمية التي فرضها الانفراج السعودي الإيراني”، مضيفًا أن “الحزب مستعد للتفاعل الإيجابي وينتظر ردًا من الرياض”.

ويُذكّر قصير بأن نعيم قاسم نفسه ترأس وفدًا من حزب الله إلى السعودية عام 2006، حين خصصت المملكة 1.5 مليار دولار لإعادة إعمار لبنان بعد حرب يوليو، قبل أن تتدهور العلاقات بسبب الأزمة السورية والحرب في اليمن.

وتأكيد قاسم أن “سلاح الحزب موجه فقط ضد إسرائيل” يُقرأ أيضًا كإشارة مزدوجة إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين يدرسان تخفيف القيود على المساعدات للبنان في حال أظهر الحزب “انضباطًا سياسيًا وأمنيًا”.

ويقول محللون إن الحزب يسعى إلى إعادة ترميم صورته الإقليمية بعد مقتل أمينه العام السابق حسن نصر الله في الغارة الإسرائيلية عام 2024، ومحاولة طهران احتواء تداعيات الحرب المفتوحة مع إسرائيل.

موقف الرياض: الحذر والترقب

حتى الآن، لم يصدر رد رسمي سعودي على مبادرة حزب الله، رغم أن وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي إن “المملكة تدعم ما يعزز أمن لبنان واستقراره وتطبيق اتفاق الطائف ووضع السلاح في يد الدولة وحدها”.

وبينما يرى بعض المراقبين أن السعودية لن تتعجل الانفتاح على حزب الله دون توافق كامل مع إيران، يشير آخرون إلى أن المناخ الإقليمي الجديد يجعل تجاهل المبادرة أمرًا صعبًا.

ورغم التباعد الأيديولوجي والسياسي العميق بين الرياض وحزب الله، فإن لغة الحزب الجديدة تمثل – بحسب المراقبين – تعبيرًا عن أزمة واقعية داخل لبنان وعن براغماتية إيرانية متزايدة تسعى لخفض الجبهات المفتوحة في المنطقة.

وفي ظل استمرار الغارات الإسرائيلية وتصاعد الغليان الشعبي في لبنان، قد تكون الهدنة الكلامية مع السعودية بداية مسار أوسع لإعادة التموضع في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع مصالح الخصوم القدامى تحت مظلة مواجهة الخطر الإسرائيلي المشترك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى