سهم أرامكو يهبط لأدنى مستوى في خمس سنوات في مؤشر واضح على اهتزاز ثقة المستثمرين

شهدت أسهم شركة أرامكو السعودية، أكبر منتج للنفط في العالم، تراجعاً تاريخياً إلى أدنى مستوياتها في خمس سنوات، في مؤشر واضح على اهتزاز ثقة المستثمرين العالميين بالشركة التي مثلت يوماً “جوهرة التاج” في خطط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لإعادة هيكلة اقتصاد المملكة. ويأتي الهبوط رغم استمرار الشركة في ضخ أرباح سخية، إلا أنها باتت مضطرة للاقتراض لتغطية التزاماتها للمساهمين، وهو ما يزيد القلق حول مستقبلها الاستثماري.

الطرح الأولي.. وعود لم تتحقق

منذ الطرح العام الأولي في ديسمبر 2019، كانت آمال الرياض كبيرة. العائلة المالكة مارست حملة دعائية غير مسبوقة لإقناع المستثمرين بأن قيمة الشركة الحقيقية لا تقل عن تريليوني دولار، بل وُعدوا بأنها ستقفز خلال أشهر. إلا أن السوق الدولي لم يستجب. فالمستثمرون العالميون، وخصوصاً في وول ستريت، تعاملوا مع هذه الوعود بكثير من التحفظ.

وبعد مرور أكثر من خمس سنوات ونصف، تبدو هذه الشكوك في محلها. فبحسب بيانات بلومبيرغ، حقق سهم أرامكو منذ الاكتتاب عائداً إجمالياً متواضعاً لا يتجاوز 16%، مقارنةً بعوائد تفوق 50% لشركات منافسة مثل “إكسون موبيل” و”شيفرون” و”شل”. حتى شركة “روس نفط” الروسية الخاضعة للعقوبات الدولية حققت أداء أفضل.

ديون لتمويل الأرباح

المفارقة أن أرامكو، التي لطالما افتخرت بأنها المنتج الأقل تكلفة في العالم، لم تعد قادرة على تغطية توزيعات أرباحها من التدفقات النقدية. ففي النصف الأول من 2025، سجلت الشركة تدفقاً نقدياً حراً بلغ 34.4 مليار دولار، بينما بلغت توزيعات الأرباح 42.7 مليار دولار. ولتعويض هذا العجز، لجأت الشركة إلى إصدار سندات جديدة.

هذه الخطوة قد تبدو آمنة على المدى القصير نظراً لانخفاض مديونية الشركة، لكنها تعكس في الوقت ذاته إشكالية جوهرية: إذا كانت أرامكو تعاني عند متوسط أسعار نفط فوق 70 دولاراً للبرميل، فكيف سيكون الوضع إذا تراجعت الأسعار أكثر؟

تراجع القيمة السوقية

في ذروة صعود أسعار النفط بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، وصلت القيمة السوقية لأرامكو إلى 2.42 تريليون دولار، وهو رقم منح الرياض فرصة التباهي بالوصول إلى ما يفوق تقييمها المستهدف. لكن الصورة سرعان ما انقلبت. اليوم لا تتجاوز القيمة السوقية نحو 1.5 تريليون دولار، أي أقل بربع من الطموح الذي أعلن عنه ولي العهد.

كما أن المستثمرين الذين اشتروا الأسهم في الطرح الثانوي عام 2024 عند 27.5 ريال، يتكبدون اليوم خسائر دفترية تزيد على 12% بعد هبوط السهم لمستويات غير مسبوقة منذ جائحة كوفيد-19.

غياب خطة إقناع

المخاوف لا تتعلق فقط بالأداء المالي بل أيضاً بغياب رؤية واضحة لإعادة الثقة في السهم. فخلال مكالمات حديثة مع المستثمرين، أكد المدير المالي زياد المرشد أن الشركة ما زالت تمثل “فرصة استثمارية جذابة للغاية”. لكن السوق لم يقتنع، خصوصاً مع غياب إجراءات ملموسة لخفض النفقات أو تحسين الكفاءة التشغيلية.

في المقابل، أعلنت شركات نفط غربية كبرى مثل “شل” و”شيفرون” عن خطط تقشف صارمة وتسريح آلاف الموظفين لتقليل التكاليف. بينما تواصل أرامكو التوسع في نفقاتها وزيادة عدد موظفيها الذي ارتفع من 65 ألفاً قبل عقد إلى 75 ألفاً اليوم.

الدين أكثر جاذبية من الأسهم

بالنسبة لكثير من المستثمرين، أصبحت أدوات الدين التي تصدرها أرامكو أكثر جاذبية من أسهمها. فالسندات، وخصوصاً لأجل 10 و30 عاماً، تمنح عائداً مستقراً ومخاطر أقل مقارنةً بالرهان على سهم فقد زخمه وجاذبيته. وهذا يضع المملكة أمام معضلة في استراتيجيتها الاقتصادية: كانت الرياض تأمل بيع حصص إضافية من أرامكو بشكل دوري لتمويل مشاريع “رؤية 2030”، لكن التراجع الحالي يجعل هذه الخطط شبه مجمدة.

انعكاسات على “رؤية 2030”

هبوط سهم أرامكو يمثل أكثر من أزمة سوقية؛ إنه يضعف ركيزة أساسية في مشروع التحول الاقتصادي السعودي. فالمملكة كانت تعوّل على الشركة لتمويل صناديقها الاستثمارية الضخمة ومشاريع البنية التحتية الطموحة. ومع صعوبة بيع المزيد من الأسهم، قد تجد الرياض نفسها مضطرة للاعتماد أكثر على الاقتراض الخارجي أو إعادة توجيه أولويات الإنفاق.

وول ستريت تنسحب

أخيراً، يعكس ابتعاد البنوك والمستثمرين في وول ستريت عن أرامكو تراجع الثقة في قدرة الشركة على النمو. فالمؤسسات العالمية لا ترى في السهم فرصة استراتيجية طويلة الأمد، بل باتت تعتبره رهانا محفوفاً بالمخاطر، خاصة مع اعتماد الشركة المفرط على قرارات سياسية تتعلق بسوق النفط العالمي.

ومنذ أن وصف ولي العهد السعودي أرامكو بأنها “أعظم قصة استثمارية في العالم”، مروراً بوعود التريليونات، وحتى اللحظة الراهنة التي تشهد فيها الأسهم أدنى مستوياتها منذ خمس سنوات، بات واضحاً أن أسطورة أرامكو كسهم “لا يخسر” قد تلاشت. الشركة ما تزال عملاقاً نفطياً من حيث الإنتاج والأرباح، لكنها لم تعد قادرة على إقناع الأسواق العالمية بأنها استثمار جذاب.
وإذا لم تنجح أرامكو في صياغة خطة أكثر واقعية لإعادة بناء ثقة المستثمرين، فإنها ستظل بالنسبة لكثيرين مجرد قصة دين عام، وليست قصة أسهم رابحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى