فايننشال تايمز: إدارة ترامب تتمسك باتفاقيات أبراهام ودول في المنطقة تشترط طريق الدولة الفلسطينية

نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرًا للصحفية أبيغيل هاوسلونر تناولت فيه مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوسيع اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، المعروفة باسم “اتفاقيات أبراهام”، في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حماس”.
وأوضحت الصحيفة أن ترامب استدعى خلال هذا الشهر مسؤولين ودبلوماسيين إلى البيت الأبيض للإعلان عما وصفته إدارته بـ”الكشف العظيم”، وهو انضمام دولة جديدة إلى نادي التطبيع.
غير أن المفاجأة كانت أن الدولة المعنية هي كازاخستان، التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ أكثر من ثلاثين عامًا، ما جعل الإعلان محبطًا للمراقبين. ومع ذلك، اعتبر ترامب الخطوة “إنجازًا كبيرًا لبناء الجسور حول العالم”.
ورغم الطابع الرمزي للإعلان، لفت التقرير إلى أن هذا الحدث يعكس انشغال الرئيس الأمريكي وفريقه بتوسيع العلاقات مع إسرائيل، باعتبارها – في نظر الإدارة – الطريق الأمثل لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، متجاهلين حقيقة أن معظم الشركاء العرب والمسلمين لواشنطن يرون أن السلام الحقيقي يبدأ فقط بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
ويقول محللون ودبلوماسيون إن تركيز إدارة ترامب على اتفاقيات أبراهام، في ظل غياب خطة موثوقة لإدارة قطاع غزة الذي دمرته الحرب، أثار خيبة أمل واسعة في أوساط العواصم العربية والإسلامية. فهذه الدول، كما تؤكد الصحيفة، تشدد على أن تأمين حكومة فلسطينية فاعلة واتخاذ خطوات ملموسة نحو حل الدولتين يجب أن يتقدّم على أي حديث عن تطبيع جديد.
ورغم الانتقادات، يواصل ترامب الإصرار على أن هناك “صفًّا طويلاً” من الدول الراغبة في التطبيع مع إسرائيل. فقد قالت تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية، خلال مؤتمر الأمن في المنامة هذا الشهر، إن اتفاقيات أبراهام “ستمهد لاستقرار إقليمي دائم وحقيقي”.
لكن الصحيفة ترى أن هذا التفاؤل الأمريكي يتجاهل هشاشة وقف إطلاق النار، الذي تهدده الخروقات المتكررة، ويقلل من عمق الغضب الشعبي العربي والإسلامي إزاء الهجمات الإسرائيلية في غزة، والتي جعلت فكرة التطبيع عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا على معظم الحكومات في المنطقة.
وتبرز السعودية في قلب هذا المشهد، إذ كانت قبل هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تدرس إبرام صفقة شاملة مع إدارة الرئيس جو بايدن، تشمل اتفاقية دفاع مشترك وبرنامجًا نوويًا مدنيًا، مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
لكن مشاهد الدمار والمعاناة الفلسطينية غيّرت حسابات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي يرى الآن أن أي خطوة نحو التطبيع ستكون مكلفة سياسيًا في الداخل، خاصة مع تزايد وعي الشباب السعودي بطبيعة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
وقد اتهم الأمير بن سلمان إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، مؤكدًا أن التطبيع لن يكون ممكنًا إلا عبر مسار موثوق ولا رجعة فيه نحو إقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حتى الآن.
وقالت منال رضوان، المسؤولة البارزة في وزارة الخارجية السعودية، إن “قيام الدولة الفلسطينية شرط أساسي للتكامل الإقليمي”، مضيفة: “لقد أوضحنا هذا الموقف مرارًا، لكن يبدو أن البعض لا يريد سماعه”.
ومن المقرر أن يقوم ولي العهد بزيارة إلى واشنطن الأسبوع المقبل لتوقيع اتفاقية دفاع محدودة بموجب أمر تنفيذي، لا تتضمن أي بنود تتعلق بالتطبيع مع إسرائيل.
وقال مسؤول أمريكي سابق للصحيفة: “لا أرى ظرفًا سياسيًا يسمح لولي العهد بأن يقول أكثر من (إن شاء الله)” عندما يُسأل عن التطبيع مع إسرائيل.
ويقول المفاوض الأمريكي السابق آرون ديفيد ميلر إن ولي العهد السعودي لم يسحب فكرة التطبيع من الطاولة، لكنه لا يرى ضرورة ملحّة له، خاصة في ظل وجود تعاون أمني واستخباراتي غير معلن بين الرياض وتل أبيب، ما يجعل الإعلان الرسمي عن التطبيع مخاطرة لا طائل منها.
وأضاف ميلر أن الأمير “يدرك جيدًا كيفية التعامل مع ترامب”، ويستخدم ورقة التطبيع كورقة تفاوض قوية، لأن الإدارة الأمريكية تعتبر التطبيع السعودي هو الجائزة الكبرى التي ستؤثر على بقية الدول العربية والإسلامية.
وتشير الصحيفة إلى أن واشنطن تنظر أيضًا إلى إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية في العالم، باعتبارها المرشحة التالية للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام. لكن جاكرتا أكدت، مثل السعودية، أنها لن تقدم على هذه الخطوة إلا بعد التوصل إلى حل الدولتين. وقال مسؤول إندونيسي للصحيفة: “سننتظر ما ستقرره السعودية أولاً”.
في المقابل، رفض المسؤولون الأمريكيون توضيح الأبعاد العملية لإعلان كازاخستان ضمن دول التطبيع، واكتفى وزير الخارجية ماركو روبيو بالقول إن الخطوة تشير إلى “شراكة أقوى”، بينما وصفها نائب الرئيس جيه دي فانس بأنها “رمزية”، هدفها التأكيد على أن “اتفاقيات أبراهام لا تزال حيّة في عهد ترامب الثاني”.
وفي ختام تقريرها، تشير “فايننشال تايمز” إلى أن خطة ترامب لغزة تواجه عراقيل كبيرة، إذ ترفض الدول العربية والإسلامية المشاركة في قوة دولية لحفظ الاستقرار هناك، خوفًا من الانجرار إلى صراع مباشر مع مقاتلي “حماس”.
وترى الصحيفة أن هذه المعادلة تعكس الهوة الواسعة بين طموحات واشنطن الدبلوماسية والحقائق السياسية في المنطقة، حيث تؤكد العواصم العربية أن السلام الحقيقي لا يُبنى عبر الصفقات، بل عبر إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.















