مصادر: الإمارات تعيد تفعيل مسارات بديلة لشبكات التهريب في السودان

مع تصاعد الضغوط الدولية على الأطراف الضالعة في تغذية الحرب الأهلية السودانية، وفرض الاتحاد الأوروبي مؤخرًا عقوبات على شركات وأفراد تورّطوا في تهريب الذهب وتمويل الميليشيات، كشفت مصادر خاصة داخل مكتب الأمن الإماراتي عن بدء تفعيل مسارات بديلة لشبكات التهريب الإماراتية في السودان، يقودها مستشار الأمن الوطني طحنون بن زايد بشكل مباشر.

وذكرت المصادر أن العقوبات التي طالت مصرف الخليج، وجمّدت أصول شركة “ريد روك” Red Rock في دبي، لم تُحدث الشلل المالي المتوقع، بل دفعت مراكز القرار في أبوظبي إلى إعادة هيكلة خفية للشبكة، وفقًا لخطة طوارئ تم إعدادها مسبقًا.

وتشير معلومات موثوقة إلى أن الخطة البديلة جرى تفعيلها في مساء يوم 19 يوليو، حيث تم إرسال أوامر مباشرة إلى ثلاث شركات تنشط بين دبي والخرطوم لإعادة هيكلة الحسابات البنكية وتحويلات الأموال. الهدف الرئيسي هو التحايل على العقوبات دون إبطاء حركة التمويل الموجه نحو المليشيات السودانية وشركاء الذهب.

ومن أبرز أدوات هذه الخطة:

نقل الحركة المالية من “مصرف الخليج” إلى “بنك الساحل”، وهو بنك صغير تأسس مؤخرًا في نواكشوط – موريتانيا، وتُدار عملياته فعليًا من دبي عبر واجهات مالية وهمية.

فتح حسابات فرعية تحت غطاء “مشاريع تنموية في إفريقيا”، وتحديدًا في دول مثل مالي، تشاد، والنيجر، لتقليل فرص التتبع المباشر.

استخدام ممولين وسطاء من دول ناطقة بالفرنسية للتغطية على العمليات، مستفيدين من ضعف الرقابة المالية في منطقة الساحل.

تحوّل تكتيكي: من الذهب إلى الزراعة… ظاهريًا

أحد الأركان الأساسية في الالتفاف على العقوبات كان إعادة هيكلة شركة Red Rock، التي ورد اسمها في تقارير أوروبية بأنها بوابة رئيسية لتهريب الذهب من السودان.

وقد تم نقل ملكية الشركة إلى كيان جديد باسم “الدرع الأخضر للاستثمار”، مقره إمارة رأس الخيمة، ومسجل رسميًا كشركة تعمل في المعدات الزراعية والمقاولات التنموية.

لكن التحقيقات تؤكد أن هذه الشركة ليست سوى قمر صناعي بديل لـ Red Rock، مهمته استخدام غطاء “الاستثمار الزراعي” لإخفاء حركة المعدات التي تُستخدم لاحقًا كوسيلة لنقل الذهب الخام من السودان.

المدير التنفيذي للشركة الجديدة يحمل جوازًا مزدوجًا إماراتي–مالي، وهو ما يتيح له التنقل وإبرام العقود في دول إفريقيا الغربية بسهولة، دون إثارة الشبهات.

محور جيبوتي: لوجستيات بواجهة تجارية

في بعد لوجستي لا يقل أهمية، تم تفعيل قناة نقل بحرية عبر موانئ جيبوتي، حيث يتم شحن الذهب السوداني الخام تحت مسمى “عينات فنية لفحص الجودة” إلى دبي. وبعد الوصول، تتم إعادة تصنيفه كمادة جديدة، مع استخدام بيانات استيراد مغايرة، ما يصعّب عملية تتبعه قانونيًا.

يُذكر أن استخدام جيبوتي في هذه الشبكة ليس جديدًا، لكنها المرة الأولى التي يتم فيها تحويلها إلى محور تهريب ذي طابع شبه رسمي، عبر تنسيق مباشر بين مسؤولين من أبوظبي وجيبوتي، وفقًا لتقارير استخبارية أفريقية سابقة.

اختبار أوروبا: هل الرقابة حقيقية أم شكلية؟

من داخل مكتب طحنون، تتردد مقولة تُلخص الاستراتيجية الحالية:

“الهدف ليس التملص فقط… بل اختبار مدى جدية أوروبا في المتابعة، ومدى ثقل اللوبي الأوروبي الداعم للإمارات في خفض المراقبة”.

بمعنى أوضح، فإن دولة الإمارات تراهن على أن حجم مصالحها الاقتصادية مع القوى الأوروبية سيمنع تصعيد الإجراءات الرقابية، وأن الضغط الدبلوماسي سيظل خاضعًا لحسابات النفط والاستثمار والعلاقات الأمنية المشتركة.

ويضيف المصدر: “طحنون لا يوقف الشبكات… بل يبدل أسمائها فقط. ومن لا يعرف الأسماء الجديدة، لن يرى شيئًا”.

السودان في مرمى العبث

الخطير في هذه المستجدات أنها تُعيد تأكيد حقيقة يعرفها كثيرون في المشهد السوداني، وهي أن البلاد ليست مجرد ساحة صراع داخلي، بل أرض مفتوحة لتنافس محاور إقليمية ودولية، تستخدم الذهب كسلاح تمويل، وتعتمد على شبكات تهريب عابرة للحدود، مدعومة من دول تملك كل الإمكانات للإفلات من العقوبات.

وبينما يُعاني السودانيون من الجوع والتشريد والانهيار الاقتصادي، تتحرك هذه الشبكات بسرية تامة، مدعومة من منظومات رسمية تعرف كيف تُغيّر قفازها كلما تعرّضت يدها للانكشاف.

ويرى مراقبون أن ما يجري ليس مجرد تهرب من عقوبات، بل إصرار استراتيجي على مواصلة العبث في السودان، تحت عباءة الاستثمار والتعاون التنموي. وإذا لم يتحرك الاتحاد الأوروبي ودول الإقليم بجدية، فإن “بنك الساحل” و”الدرع الأخضر” سيصبحان عنوانًا جديدًا للفوضى المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى