مصر تزيد الضغط على إثيوبيا عبر اتفاقيات موانئ مع إريتريا وجيبوتي

أفادت تقارير إعلامية متطابقة أن مصر وافقت على تطوير موانئ بحرية في دول القرن الأفريقي، وتحديداً في إريتريا وجيبوتي، في إطار مساعٍ لزيادة الضغط على إثيوبيا غير الساحلية، على خلفية النزاع الممتد منذ سنوات حول مياه نهر النيل.
وبموجب اتفاقيات وُقعت بعيداً عن الأضواء، ستتولى القاهرة تطوير ميناء عَصَب الاستراتيجي على البحر الأحمر في إريتريا، وميناء دوراليه في جيبوتي على خليج عدن، من خلال زيادة طاقتهما التشغيلية، وإنشاء أرصفة مخصصة للسفن الحربية، وإتاحة المجال لنشر وحدات عسكرية صغيرة لكنها عالية التدريب.
ويقع الميناءان قرب مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. وتعتمد إثيوبيا، التي تحد كلاً من إريتريا وجيبوتي، اعتماداً كبيراً على ميناء دوراليه لنقل وارداتها وصادراتها، ما يمنح هذه الخطوة المصرية أبعاداً استراتيجية مباشرة.
وتمتلك مصر أكثر من 2000 كيلومتر من السواحل على البحر الأحمر داخل أراضيها وفي شبه جزيرة سيناء، كما تسيطر على قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، ما يعزز موقعها كقوة بحرية إقليمية.
وقد عبّرت القاهرة مراراً عن معارضتها الشديدة لمساعي الدول غير الساحلية، وفي مقدمتها إثيوبيا، للحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر، الذي يُعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وشرق أفريقيا.
تفاصيل الاتفاقيات
وفقاً لمصادر مطلعة، جرى توقيع الاتفاقيات بين مصر وإريتريا بشكل سري خلال زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى القاهرة أواخر أكتوبر الماضي. كما تم التوصل إلى اتفاق مماثل مع جيبوتي بعد مفاوضات بين مسؤولين رفيعي المستوى من البلدين.
وأوضحت المصادر أن مصر ستعمل على إنشاء بنية تحتية لوجستية في الميناءين تتيح تزويد السفن الحربية التابعة لأسطولها الجنوبي بالوقود والإمدادات، بما في ذلك المدمرات والغواصات وناقلات الجنود والمروحيات.
كما تنص الاتفاقية مع جيبوتي على تطوير شبكة الطرق المؤدية إلى ميناء دوراليه، الذي تعتمد عليه إثيوبيا بشكل شبه كامل للوصول إلى البحر، منذ أن أصبحت دولة حبيسة عقب انفصال إريتريا عام 1993 بعد حرب أهلية طويلة.
وقال أحد المصادر: “تضفي هذه الاتفاقيات شرعية على وجودنا العسكري في البلدين، إذ إن السفن الحربية المصرية ترتاد الميناءين بالفعل بصورة منتظمة”.
خلفية النزاع حول سد النهضة
تخوض مصر وإثيوبيا نزاعاً حاداً منذ أكثر من عقد حول سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي اكتمل هذا العام. وتعتبر القاهرة السد تهديداً وجودياً، نظراً لاعتمادها شبه الكامل على مياه النيل لتلبية احتياجاتها من المياه العذبة.
وتؤكد مصر أن السد قد يقلل من حصتها الحيوية من المياه، ويمنح إثيوبيا سيطرة غير مقبولة على تدفق النهر خلال فترات الجفاف. وعلى مدى سنوات، شاركت القاهرة والخرطوم في مفاوضات مع أديس أبابا، مطالبتين باتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل وإدارة السد.
في المقابل، شددت إثيوبيا مراراً على أن السد لن يضر بمصالح دول المصب، معتبرة المشروع حقاً سيادياً وأداة للتنمية الاقتصادية. ولم يؤثر الملء التدريجي لخزان السد بين عامي 2020 و2024 بشكل ملموس على حصة مصر، بفضل هطول أمطار غزيرة على المرتفعات الإثيوبية.
غير أن السودان، الذي يعاني من حرب داخلية، اشتكى من أن عدم مشاركة إثيوبيا بيانات تشغيل السد في الوقت الفعلي تسبب في فيضانات مدمرة أودت بحياة مدنيين وألحقت أضراراً واسعة في بعض المناطق.
تحركات إقليمية أوسع
بعد تعثر آخر جولة من المفاوضات قبل عامين، كثفت مصر جهودها لبناء تحالفات مع دول الجوار الإثيوبي، من بينها الصومال وجيبوتي – العضوان في جامعة الدول العربية – إضافة إلى إريتريا وكينيا، إلى جانب تقديم خبرات فنية لدول حوض النيل الإحدى عشرة.
وفي العام الماضي، بدأت مصر نشر قوات ومستشارين عسكريين في الصومال عقب توقيع اتفاقية دفاعية بين البلدين، كما زودت مقديشو بالأسلحة ومستشارين في مجال مكافحة الإرهاب، دعماً لجهودها ضد حركة الشباب. وتعتزم القاهرة أيضاً المشاركة في بعثة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي هناك.
وقال ويليام دافيسون، المحرر الإداري لموقع إثيوبيا إنسايت والمقيم في بريطانيا، إن غياب مفاوضات جادة بشأن السد دفع الأطراف إلى التركيز على القضايا الإقليمية، ما زاد من التوتر بين القاهرة وأديس أبابا.
وأوضح أن التوتر يتركز حالياً على الدور المصري في الصومال والطموحات البحرية الإقليمية لإثيوبيا، مضيفاً: “من الواضح أن إثيوبيا لا ترحب بوجود قوات مصرية في الصومال، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تغيير قواعد اللعبة أو الانزلاق إلى حرب”.
وختم بالقول: “سد النهضة أصبح حقيقة قائمة وسيظل مصدراً دائماً للتوتر. لا أرى تعزيزاً للثقة والتعاون بين البلدين، لكنني لا أرى أيضاً انزلاقاً إلى صراع مسلح مباشر”.















