الغارديان: عائلات تكشف مكالماتهم الأخيرة المذعورة من أجانب محكوم عليهم بالإعدام في السعودية

كشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية في تقرير مطوّل عن معاناة عشرات الأجانب، بينهم مصريون، المحكوم عليهم بالإعدام في السعودية بتهم تتعلق بجرائم مخدرات غير عنيفة، وسط مزاعم بتعرضهم للتعذيب والإكراه على الاعترافات وحرمانهم من محاكمة عادلة.

ووصفت الصحيفة في تقريرها، الصادر من مدينة تبوك شمال المملكة، مشاهد مؤلمة من داخل ما يُعرف بين النزلاء بـ”سجن الموت”، حيث يُحتجز مئات السجناء الأجانب في انتظار تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم.

وأشارت إلى أن عمليات الإعدام تنفذ عادة بقطع الرأس، دون تسليم الجثامين إلى ذويهم، إذ تُسلَّم فقط شهادات وفاة للعائلات.

بحسب التقرير، فإن الحراس يدخلون كل صباح إلى العنابر المكتظة في السجن، قبل أن يقترب نحو عشرين منهم من أحد السجناء بهدوء ويهمسون في أذنه، معلنين أنه سيُقتاد إلى الخارج.

وفي تلك اللحظة، ينفجر بعض السجناء بالبكاء أو يطلبون العفو في مشهد يعكس الرعب واليأس داخل الزنازين.

وقالت الصحيفة إن معظم المحكوم عليهم بالإعدام هم عمال مهاجرون فقراء تم استدراجهم للاتجار بالمخدرات مقابل مبالغ بسيطة. ونقلت عن منظمات حقوقية مثل “ريبريف” البريطانية قولها إن العديد منهم ربما كانوا أبرياء أو ضحايا خداع واستغلال.

وأشار جيد بسيوني، مدير السياسات في المنظمة، إلى أن هؤلاء السجناء “فقراء ومهمشون، ولا أحد يصغي إليهم”.

وذكّرت الغارديان بأن السعودية كانت قد علّقت تنفيذ أحكام الإعدام في قضايا المخدرات عام 2021، ما أثار حينها آمالاً بالإصلاح في عهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لكن الحظر رُفع في نوفمبر 2022، لتشهد البلاد بعدها ارتفاعًا وصفته الصحيفة بـ”المرعب” في عدد عمليات الإعدام.

ووفقًا لبيانات منظمة “ريبريف”، أُعدم ما لا يقل عن 264 أجنبيًا منذ مطلع عام 2024 في قضايا تتعلق بالمخدرات، لتصبح السعودية ثالث أكبر دولة في العالم من حيث تنفيذ أحكام الإعدام بعد الصين وإيران.

قصص مأساوية من تبوك

من بين الحالات التي وثّقتها الصحيفة قصة أحمد يونس القايد، وهو عامل مصري كان يعمل في فندق بالسعودية عندما أُلقي القبض عليه عام 2016 بتهمة الاتجار بالمخدرات.

وبعد سنوات من احتجازه، أُبلغت عائلته أن عقوبته قد تُخفف إلى السجن المؤبد عقب إعلان وقف الإعدامات، لكنها فوجئت بإعدامه في ديسمبر/كانون الأول الماضي داخل جناح الإعدام في سجن تبوك، الذي بات يُعرف باسم “جناح الموت”.

وقالت أسرته إن السلطات السعودية لم تُعد جثمانه، ولا تعرف حتى اليوم مكان دفنه. ونقلت الغارديان عن أحد أقاربه قوله: “كنا نعيش في قلق دائم، ولا نعلم متى يأتي الدور على أحبائنا”.

وفي الحالة الأخرى، تناول التقرير قصة يوسف (اسم مستعار)، وهو مصري آخر حكم عليه بالإعدام بعد اتهامه بالاتجار بالمخدرات، إذ قالت السلطات إنه ضُبط في المياه السعودية قرب البحر الأحمر داخل إطار سيارة عائم يحتوي على مواد مخدرة.

وتوضح والدته، التي تتحدث معه عبر مكالمة هاتفية يومية، أن هذه الاتصالات هي “شريان حياته الوحيد”، وأنها تعيش في خوف دائم من انقطاعها المفاجئ. وتتابع الأم الأخبار والمخاوف عبر مجموعة على تطبيق واتساب تجمع عائلات السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، حيث يتبادلون التحديثات عن أبنائهم وأقاربهم.

إلا أن الأنباء الواردة إلى تلك المجموعة لم تكن مطمئنة، إذ أكدت الغارديان أن الاتصالات مع بعض السجناء انقطعت في الأسابيع الأخيرة، في وقت تتحدث فيه العائلات عن نقل عدد منهم إلى المستشفى بعد تدهور حالتهم الصحية نتيجة الإضراب عن الطعام أو المعاناة النفسية.

تعذيب واعترافات قسرية

وتنقل الصحيفة عن أقارب السجناء قولهم إن العديد منهم تعرضوا للتعذيب الشديد أثناء التحقيق لإجبارهم على الاعتراف، في حين لم يتمكن معظمهم من توكيل محامين خاصين بسبب ضعف الإمكانات المادية.

وتقول شقيقة أحد السجناء إن شقيقها لم يعترف بالتهم، لكن شخصًا آخر اعتُقل معه اعترف تحت التعذيب، مضيفة: “قال لي إنه لو طلبوا منه الاعتراف بجريمة قتل لفعل، فقط لينجو من التعذيب”.

وتوضح والدة أحد السجناء أنها دفعت 11 ألف دولار لمحامٍ لم يقدم أي أدلة جوهرية في القضية، ثم نصحها ابنها بعدم توكيل محامٍ آخر قائلاً: “ادخري المال لأخواتي، إذا كان قدري الموت فسأموت”.

تقول والدة يوسف إنها لا تزال متمسكة بالأمل في عودته، مضيفة: “عندما يعود، سأقيم احتفالاً كبيرًا وأدعو الجميع”، مشيرة إلى أن ابنها رأى في المنام أنه نجا من محاولة قتله، معتبرة ذلك “علامة من الله على نجاته”.

وتختتم الغارديان تقريرها بنقل شهادة شقيقة أحد السجناء التي قالت إنها لم تخبر والدتها بعد أن ابنها محكوم عليه بالإعدام، مؤكدة: “عندما يموت، سأقول إنه توفي طبيعيًا. لا يمكنها تحمّل معرفة الحقيقة. لم يفعل شيئًا يستحق الموت.”


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى