الخليج وإسرائيل: من شريك أمني إلى قوة مزعزعة للاستقرار

تشهد علاقات دول الخليج وإسرائيل منعطفاً حساساً بعد الهجوم الإسرائيلي الأخير على المنشآت النووية الإيرانية، الذي قلب الموازين وأثار جدلاً عميقاً في عواصم الخليج.

ففيما كانت إسرائيل تُروج حتى وقت قريب أنها الضامن الأبرز في مواجهة “الخطر الإيراني”، باتت اليوم تُنظر إليها في بعض الأوساط الخليجية كقوة مزعزعة للاستقرار، بل ومصدر تهديد قد يفوق في مخاطره إيران نفسها.

تحوُّل النظرة الخليجية

بحسب صحيفة التليغراف البريطانية، وصف دبلوماسي عربي الهجوم الإسرائيلي على إيران بأنه “تهور لا يُغتفر”، في إشارة إلى مخاوف الخليج من أن تصبح إسرائيل قوة منفلتة تتصرف منفردة من دون حساب للتداعيات الإقليمية.

وقال مسؤول خليجي آخر إن إسرائيل تبدو “خارجة عن السيطرة – في غزة، ولبنان، وسوريا، والآن في إيران”، مضيفاً أن “القوة غير المقيدة وغير القابلة للضبط لم تعد مكسباً لنا، بل أصبحت مشكلة”.

هذا التغيّر في المزاج الخليجي يعكس خيبة أمل عميقة. فعلى مدى السنوات الماضية، جذبت اتفاقيات إبراهيم بعض دول الخليج إلى التعاون مع إسرائيل، انطلاقاً من قناعة بأن هذا التحالف يمكن أن يُشكّل جبهة موحّدة ضد إيران.

إلا أن دخول إسرائيل في صراع مباشر مع طهران دفع بعض العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم حساباتها، خصوصاً في ظل مخاوف من أن تؤدي الضربات الإسرائيلية إلى ردود إيرانية تطال أراضي الخليج أو منشآته الحيوية.

مفارقة “العدو البديل”

من المفارقات الصارخة أن إسرائيل، التي كانت تُعتبر درعاً أمنياً في مواجهة المشروع النووي الإيراني، تتحوّل اليوم إلى “عدو بديل”، أو على الأقل إلى مصدر تهديد لا يقل خطورة.

قالت ياسمين فاروق، خبيرة شؤون الخليج في مجموعة الأزمات الدولية في بروكسل، إن أي إضعاف لإيران هو موضع ترحيب، لكن إن كان الثمن المزيد من الفوضى والعنف، فإن “الثمن باهظ للغاية”.

يشاركها الرأي محمد بحرون، المدير العام لمركز “بحوث” في دبي، الذي حذّر من الهيمنة العسكرية الإسرائيلية قائلاً: “إسرائيل لديها القدرة على ضرب أي دولة. ما الذي سيمنعهم من مهاجمة قطر أو مصالحها؟”.

ازدواجية المواقف الخليجية

لكن المواقف الخليجية ليست أحادية ولا متجانسة. ففي الوقت الذي دانت فيه السعودية الهجوم الإسرائيلي ووصفته بـ”العدوان السافر”، أقرّ بعض المسؤولين الخليجيين، في الكواليس، بأن نجاح إسرائيل في تدمير المنشآت النووية الإيرانية قد يصبّ في مصلحتهم، لكونه يخفف من وطأة التهديد الإيراني من دون أن يجرّ الولايات المتحدة إلى حرب واسعة.

قال مسؤول خليجي لـ التليغراف: “سننام جميعاً أكثر راحة. إسرائيل تقوم بتنظيف الحي نيابةً عنا. لا بد من بعض الامتنان”. لكن هذا الموقف لا يلغي حقيقة أن تلك الضربات قد تجرّ المنطقة إلى دوامة صراع دائم، تهدد استقرار الخليج ونموه الاقتصادي، خاصة إذا ردّت إيران عبر وكلائها في اليمن أو العراق أو سوريا.

أولويات اقتصادية… لا عسكرية

الحسابات الخليجية تغيّرت كثيراً في السنوات الأخيرة. إذ أصبحت الأولويات الاقتصادية هي المحرك الرئيسي للسياسات الخارجية.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يقود تحولاً ضخماً عبر رؤية 2030 لتحويل المملكة إلى قوة اقتصادية عالمية، وكل ما عدا ذلك – بما في ذلك المواجهة مع إيران – صار تابعاً لهذه الأولويات.

قالت ياسمين فاروق: “السعوديون الآن يعارضون الضربات العسكرية ضد إيران، حتى ذلك النوع المحدود الذي ربما كان مقبولاً في الماضي. كما أنهم لم يعودوا يدعمون تغيير النظام”.

وحتى الإمارات، رغم تشدّدها التقليدي حيال إيران، لم تعترض على الوساطة الصينية التي أسفرت عن استعادة العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران عام 2023.

إسرائيل قوة منفلتة؟

الهجوم الإسرائيلي الأخير زاد المخاوف الخليجية من انفلات القوة العسكرية الإسرائيلية.

يقول دانيال بنايم، زميل مشارك في معهد الشرق الأوسط في واشنطن: “إسرائيل اليوم هي سبارتا الشرق الأوسط بلا منازع، مدعومة من الولايات المتحدة. هذا النوع من الهيمنة العسكرية، والاستعداد لاستخدام القوة لتغيير المعادلة على الأرض، هو أمر بالغ التأثير”.

وما زاد من قلق العواصم الخليجية هو استهداف إيران لقاعدة “العديد” الأميركية في قطر كردّ انتقامي، ما يؤكد خشية الخليجيين من أن تتحول أراضيهم إلى ساحة تصفية حسابات بين طهران وتل أبيب، أو بين إيران وواشنطن.

إرث اتفاقيات إبراهيم على المحك

يبدو أن المخاوف الخليجية الجديدة تضع إرث اتفاقيات إبراهيم أمام اختبار صعب. فقد كانت تلك الاتفاقيات، بالنسبة للإمارات والبحرين والمغرب والسودان، خطوة استراتيجية لإدماج إسرائيل في النظام الإقليمي، أملاً في تعزيز الأمن والاقتصاد.

غير أن تصاعد النزعة العسكرية الإسرائيلية وغياب التنسيق مع الحلفاء العرب، قد ينسف الثقة التي قامت عليها تلك الاتفاقيات.

المفارقة أن دول الخليج، التي لطالما طالبت واشنطن – وأحياناً إسرائيل – بضربات استباقية لإضعاف إيران، تجد نفسها اليوم في مأزق: فهي تريد تحجيم إيران، لكنها تخشى من أن يتحول الحليف الإسرائيلي إلى عامل اضطراب أشد خطراً.

وبين أمن مأمول واضطراب متوقع، يجد الخليج نفسه عالقاً بين عدوين: إيران بمشروعها النووي وأذرعها العسكرية، وإسرائيل التي قد تتحوّل من حليف إلى قوة منفلتة لا تعترف سوى بالقوة كحل للصراعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى