واشنطن تدرس رد الفعل على حرب محتملة مع إيران: حسابات الحرب والمخاطر الكبرى

بينما تترنّح منطقة الشرق الأوسط فوق حافة التصعيد الشامل، تدرس الإدارة الأمريكية في واشنطن بعناية الخيارات المتاحة أمامها في حال قررت الدخول رسميًا في الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران.

وقالت صحيفة فايننشال تايمز إن قرار أمريكي بالحرب لا يتوقف على البعد العسكري وحده، بل يتقاطع مع مخاطر استراتيجية واقتصادية وسياسية قد تجرّ المنطقة بأكملها نحو فوضى مدمّرة، وتضع أرواح عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في مرمى النيران.

“أضرار لا يمكن إصلاحها”

التحذير الأبرز جاء من المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، الذي توعّد واشنطن بـ”أضرار لا يمكن إصلاحها” إذا ما قررت الانخراط في الحرب الجارية، محذرًا من أن الرد الإيراني سيكون مباشرًا وشاملًا.

وتُرجمت هذه الرسالة عبر تقديرات أمنية غربية تشير إلى إمكانية لجوء طهران إلى سلسلة من الإجراءات التصعيدية، تشمل:

استهداف القواعد والسفن الأمريكية في الخليج.

شن هجمات إلكترونية متطورة.

تحريك حلفاء طهران في العراق وسوريا واليمن ولبنان.

تعطيل الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.

الجيش الأمريكي في مرمى النيران

تحتفظ الولايات المتحدة بأكثر من 40 ألف جندي في المنطقة، موزعين على 8 قواعد عسكرية دائمة في البحرين وقطر والكويت والإمارات، إضافة إلى تواجدها العسكري في مصر والعراق والأردن والسعودية وسوريا.

وقد حذر وزير سلاح الجو الأمريكي السابق، فرانك كيندال، من أن الانتشار الجغرافي للقوات الأمريكية يجعلها مكشوفة لصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى تطلق من إيران أو من ميليشيات موالية لها.

وقال كيندال: “القواعد في الإمارات وقطر والسعودية والعراق يمكن أن تتعرض لهجمات مفاجئة، مع وقت إنذار ضئيل”، مؤكدًا أن حالة التأهب القصوى باتت مفروضة منذ أيام.

مضيق هرمز… ورقة استراتيجية إيرانية

من بين السيناريوهات المطروحة، يبقى إغلاق مضيق هرمز من أكثر الخطوات الإيرانية إثارة للقلق في واشنطن. فالمضيق، الذي يمر عبره ثلث النفط العالمي المنقول بحرًا، قد يتحول إلى ساحة اشتباك عسكري وبحري خطير، يرفع أسعار النفط عالميًا ويهدد إمدادات الطاقة للدول الصناعية.

إليوت أبرامز، أحد أبرز المسؤولين في إدارة ترامب الأولى، أشار إلى أن لدى إيران خيارات مؤلمة، مثل مهاجمة ناقلات نفط أو استخدام زوارق انتحارية وألغام بحرية وغواصات لشل الملاحة.

لكنّ الخبراء يحذرون من أن إيران تعتمد أيضًا على المضيق لتصدير نفطها، ما قد يردعها جزئيًا عن الإقدام على خطوة بهذه الخطورة.

فوردو… الهدف الأصعب

من بين السيناريوهات العسكرية الأمريكية، يبرز هدف مركزي: منشأة فوردو النووية، المدفونة تحت جبل على عمق 500 متر، والتي تستخدمها إيران لتخصيب اليورانيوم.

ووفق تقديرات وزارة الدفاع، فإن تدمير فوردو قد يتطلب استخدام قنابل خارقة للتحصينات تزن 30 ألف رطل تُسقط من قاذفات شبحية.

لكنّ هذا الخيار محفوف بالمخاطر، ويُحتمل أن يفشل. وتقول هيذر ويليامز، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن “فشل الضربة على فوردو سيجعل المنشأة قائمة، ويعني تحديًا مستمرًا لمنع الانتشار النووي”.

البعد الاقتصادي للهجوم

ردًا على أي ضربة أمريكية، يمكن أن تلجأ إيران إلى ضربة اقتصادية مضادة، عبر استهداف البنية التحتية النفطية في الخليج.

وسبق أن عطلت هجمات منسوبة لطهران في عام 2019 نصف الإنتاج النفطي السعودي مؤقتًا. اليوم، وبعد هجوم إسرائيل على كبار قادة الحرس الثوري وتدمير منصات صاروخية إيرانية، يبدو أن الرد الإيراني بات وشيكًا وأكثر حدة.

وفي هذا السياق، قالت هليما كروفت، مسؤولة سابقة في الاستخبارات الأمريكية، إن “البنية التحتية في البصرة العراقية تنتج 4 ملايين برميل يوميًا، وهي مهددة من قبل ميليشيات موالية لإيران تتحرك بالقرب منها”.

الحليف المتردد

على الرغم من الاستعداد العسكري، لا يزال دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض وسط أزمة كبرى، مترددًا في اتخاذ قرار المشاركة المباشرة. وقال في تصريحات الأربعاء: “أحب أن أتخذ القرار النهائي قبل لحظة من موعده… الأمور تتغير، خصوصًا في أوقات الحرب”.

وقد ترأس ترامب اجتماعين طارئين في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، ومن المقرر عقد اجتماع ثالث الخميس، في وقت تشق فيه حاملة طائرات أمريكية طريقها إلى المنطقة، استعدادًا لأي تطور.

إسرائيل تمهد.. والولايات المتحدة توازن

يرى مراقبون أن إسرائيل تمهد للمشاركة الأمريكية عبر ضربات استباقية أضعفت الدفاعات الجوية الإيرانية، وأحرجت طهران أمام الداخل والخارج.

وقد دمرت إسرائيل معظم الدفاعات الجوية، وقتلت قادة عسكريين كبار، وشلّت مراكز قيادة حساسة، في ضربات أعادت التوازن لصالحها في الأجواء الإيرانية.

لكن، كما يقول إريك ريفن، وكيل وزارة البحرية السابق: “رغم كل شيء، فإن الرد الإيراني لا يزال ممكنًا… المخاطر كبيرة، والمكاسب السياسية من المواجهة غير مضمونة”.

وفي ظل هذه المعادلة شديدة الحساسية، تبقى الولايات المتحدة أمام معضلة استراتيجية: الانضمام إلى حرب قد تتحول إلى نزاع إقليمي واسع النطاق، أو الاكتفاء بالدعم غير المباشر لإسرائيل، مع ما يحمله ذلك من تكلفة سياسية في الداخل الأمريكي.

القرار لم يُتخذ بعد، لكن العد التنازلي قد بدأ… ومضيق هرمز، وقواعد الخليج، ومنشآت فوردو، ليست سوى بعض مفاتيح المعركة القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى