الرباعية الدولية تطرح خطة لوقف الحرب في السودان: بين الدلالات والرهانات الإقليمية

بعد أكثر من عامين على اندلاع الصراع الدموي في السودان، دخلت الأزمة منعطفًا جديدًا مع إعلان وزراء خارجية الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، عن خطة لوقف الحرب.

وتدعو الخطة إلى وقف فوري لإطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، يعقبه وقف دائم لإطلاق النار، ثم عملية انتقالية يتم إنجازها خلال تسعة أشهر، شرط ألا تكون خاضعة لهيمنة أي طرف من أطراف النزاع.

وقالت وكالة بلومبيرغ الدولية إن هذا الطرح يحمل في طياته جملة من الدلالات السياسية والإقليمية التي تتجاوز السودان إلى ملفات أوسع تتعلق بتوازن القوى في المنطقة، ومصالح الدول الأربع في البحر الأحمر وشرق إفريقيا.

الولايات المتحدة: محاولة لاستعادة زمام المبادرة

تسعى واشنطن من خلال هذا التحرك إلى إعادة تثبيت دورها كوسيط أساسي في النزاعات الإفريقية، بعدما تراجعت مكانتها في السنوات الأخيرة أمام صعود أدوار روسيا والإمارات وتركيا.

وتحاول الولايات المتحدة، التي وصفت الحرب في السودان بأنها “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، أن تظهر بمظهر الطرف القادر على جمع القوى الإقليمية المتنافسة على طاولة واحدة.

كما أن دعوة لوقف الدعم العسكري الخارجي لأطراف النزاع تترجم قلقًا أمريكيًا من تمدد نفوذ جهات مثل “فاغنر” الروسية أو حتى قوى إقليمية منافسة عبر الصراع السوداني.

إضافة إلى ذلك، فإن إشراك مصر والسعودية والإمارات في البيان يعكس رغبة أمريكية في توزيع المسؤولية، ومنح الغطاء العربي للتحرك، بما يقلل من الاتهامات بالتدخل الغربي المنفرد في شؤون السودان.

مصر: التمسك بدور الجيش السوداني

من أبرز الدلالات في البيان المشترك أن مصر نجحت في تعديل الصياغة التي كانت تستبعد أي دور للجيش السوداني في المرحلة الانتقالية.

وتعتبر القاهرة القوات المسلحة السودانية حليفًا طبيعيًا وضامنًا لأمنها القومي، بحكم الجوار الطويل والمصالح المشتركة في ملف مياه النيل وأمن الحدود.

لذلك، فإن الإشارة في النسخة المعدلة إلى رفض أي دور للجماعات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، بدلًا من استبعاد الجيش والدعم السريع، تمثل انتصارًا دبلوماسيًا لمصر، وتؤكد إصرارها على بقاء المؤسسة العسكرية لاعبًا رئيسيًا في مستقبل السودان.

الإمارات: موقف دفاعي أمام الاتهامات

بالرغم من نفيها المتكرر، تواجه أبوظبي اتهامات متزايدة بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.

ويعكس إدراج بند في البيان يطالب بوقف كل أشكال الدعم الخارجي ضغوطًا على الإمارات لإعادة ضبط موقفها، خصوصًا أن استمرار الحرب يضر بصورة الدولة التي تقدم نفسها كوسيط سلام في المنطقة.

لكن مشاركة الإمارات في الرباعية تعني أيضًا أنها تفضل أن تكون جزءًا من الحل، لتفادي عزلها دبلوماسيًا أو تحميلها مسؤولية تفاقم الأزمة. كما أن التزامها بأمن البحر الأحمر يعكس حسابات استراتيجية أوسع تتعلق بخطوط التجارة والطاقة.

السعودية: تعزيز صورة الوسيط الإقليمي

الرياض، التي سبق أن استضافت مفاوضات بين الجيش السوداني والدعم السريع برعاية أمريكية، تعود اليوم لتؤكد دورها كلاعب محوري في القضايا الإقليمية.

مشاركة السعودية في هذه الخطة تتقاطع مع استراتيجيتها الأوسع لتعزيز مكانتها كضامن للاستقرار في محيطها، وخصوصًا على سواحل البحر الأحمر، حيث تسعى لمواجهة النفوذ الإيراني وحماية طرق التجارة العالمية.

بالنسبة للرياض، فإن نجاح أي تسوية في السودان سيُحسب ضمن رصيدها الدبلوماسي المتنامي، خاصة في وقت تسعى فيه لتقديم نفسها كقوة استقرار إقليمي.

الأبعاد الإقليمية: البحر الأحمر والأمن الجماعي

إلى جانب وقف الحرب، شدد الوزراء الأربعة على أهمية تعزيز أمن البحر الأحمر ومنع “الجهات المزعزعة للاستقرار” من استغلال الصراع. هذه النقطة تكشف أن الاهتمام بالسودان يتجاوز حدوده الداخلية إلى كونه ساحة تنافس إقليمي ودولي.

وتعد منطقة البحر الأحمر شريانًا استراتيجيًا للتجارة والطاقة، وأي انفلات أمني في السودان قد يفتح الباب أمام تهديدات للتجارة العالمية أو لتوسع نفوذ خصوم الولايات المتحدة وحلفائها.

وعليه، فإن الخطة ليست فقط إنقاذًا للسودان من الحرب، بل محاولة لإعادة ترتيب التوازنات في منطقة حساسة جيوسياسيًا.

لكن رغم الطموحات التي تحملها الخطة، فإن تطبيقها يواجه عقبات كبيرة:

غياب الثقة بين الأطراف السودانية: الجيش وقوات الدعم السريع خاضا حربًا شرسة منذ أبريل 2023، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 150 ألف شخص، ما يجعل احتمالات الالتزام بوقف النار ضعيفة دون ضمانات قوية.

تضارب مصالح القوى الإقليمية: مصر ترى في الجيش السوداني حليفًا، بينما تُتهم الإمارات بدعم خصومه، وهو ما يضع الرباعية أمام اختبار واقعي.

غياب التوافق الداخلي: لا تزال القوى المدنية، التي أطيح بها في انقلاب 2021، على الهامش، ما يهدد أي عملية انتقالية بفقدان الشرعية الشعبية.

وعليه فإن الخطة الرباعية تمثل محاولة جدية لإيجاد مخرج للصراع السوداني، لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم التباينات بين الأطراف الإقليمية والدولية. فهي تحمل رسائل سياسية بقدر ما تطرح حلولًا عملية، إذ تسعى كل دولة لإثبات نفوذها وضمان مصالحها الاستراتيجية.

والرهان الأساسي يبقى على قدرة هذه الدول على تحويل البيان إلى خطوات ملموسة على الأرض، بدءًا من فرض وقف إطلاق النار وصولًا إلى عملية انتقالية شاملة.

وحتى ذلك الحين، سيظل السودان عالقًا بين صراع دموي يفتك بشعبه، وتجاذبات إقليمية تحاول كل جهة أن ترسم من خلالها ملامح مستقبل الدولة المنكوبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى