صدمة خليجية من إعادة صياغة خطة غزة… دعم معلن رغم التحفّظات

أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخطة غزة المكوّنة من عشرين بندًا، والتي وُصفت بأنها “خطة سلام” برعاية أمريكية–إسرائيلية، حالة صدمة في عواصم رئيسية بالشرق الأوسط.

فبحسب ما كشفت مصادر لموقع ميدل إيست آي البريطاني، فإن النسخة النهائية التي كشف عنها ترامب اختلفت بشكل جوهري عن المسودات الأولية التي جرى تداولها بين العواصم العربية، بما فيها الرياض وأبوظبي والقاهرة والدوحة.

وذكر الموقع أن المفاجأة لم تكن في المبدأ، إذ إن هذه الدول أعربت مسبقًا عن استعدادها لتأييد الخطة، بل في التفاصيل الدقيقة: تقليص عدد الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم، غموض الالتزامات الخاصة بالمساعدات، وتوسيع صلاحيات القوة الدولية المقررة لإدارة الأمن في غزة.

وأظهرت هذه التغييرات بحسب المصادر، مدى ميل ترامب لتلبية مطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على حساب البنود التي كانت الدول العربية تعتبرها تنازلات ضرورية لحفظ ماء الوجه.

الحسابات الإماراتية والمصرية

في الخليج، مثّلت الإمارات رأس الحربة في دعم الخطة رغم عيوبها، إذ اعتبر الرئيس الإماراتي محمد بن زايد أن “الفرصة السياسية والاقتصادية” التي تتيحها مرحلة إعادة الإعمار تتجاوز كلفة التنازلات السياسية.

فالإمارات ترى أن إمساكها بملف الإعمار يمنحها نفوذًا مضاعفًا على الساحة الفلسطينية والإقليمية، ويعزز حضورها كقوة مالية–سياسية لا غنى عنها.

أما القاهرة، فقد قرأت الخطة بعيون مصلحية خالصة. مصدر سياسي مصري أكد أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يرى في إعادة إعمار غزة فرصة اقتصادية كبرى، تمتد من مشاريع إزالة الأنقاض وحتى تطوير البنية التحتية والمشاريع السكنية، ما يعني تدفقات مالية ضخمة بالعملات الصعبة تصب في الاقتصاد المصري.

وفي الوقت نفسه، يمنح هذا المسار القاهرة غطاءً سياسيًا لإنهاء هاجس “التهجير القسري” نحو سيناء، وهو السيناريو الذي ظل يؤرق النظام المصري في الأشهر الماضية.

السعودية بين الحذر والدعم

اتسم الموقف السعودي بالحذر المعلن والدعم الضمني. فالمملكة التي تسعى للحفاظ على صورتها كراعٍ إسلامي أساسي لا ترغب بالظهور بمظهر الداعم لخطة تُتهم بالانتقاص من الحقوق الفلسطينية.

لكن الرياض في الوقت ذاته، وفق دبلوماسيين مطلعين، فضّلت إصدار بيانات دعم عامة إلى جانب دول مجلس التعاون الأخرى، مع ترك التفاصيل غامضة.

ويعكس هذا التوازن أولويات الرياض بالحفاظ على خط اتصال مفتوح مع واشنطن، وعدم ترك الساحة الإقليمية للإمارات وقطر وتركيا، مع الإبقاء على هامش مناورة تجاه الداخل العربي والإسلامي.

قطر: دعم مشروط

الدوحة، التي استضافت اجتماعًا عاجلًا جمع مسؤولين من تركيا ومصر وقطر عقب الإعلان، برز دورها في ممارسة الضغط المباشر على حماس.

وترى قطر –بحسب المصادر–أن استمرار الحرب في غزة يضر بمصالحها السياسية والإعلامية، وأن تبني الخطة ولو بشكل مشروط يتيح لها البقاء في موقع الوسيط الموثوق.

لكن في الكواليس، عبّرت الدوحة عن قلقها من غموض البنود المتعلقة بالمساعدات الإنسانية وعدم وضوح آلية الإشراف على الحكم في غزة. وبالنسبة للقيادة القطرية، فإن أي “مجلس سلام” يرأسه توني بلير –المثير للجدل عربيًا– لن يحظى بقبول شعبي فلسطيني أو عربي.

مجلس سلام أم وصاية جديدة؟

أحد أبرز نقاط الخلاف كان استحداث ما يسمى “مجلس السلام” لإدارة غزة، برئاسة ترامب وبلير، مع تهميش شبه كامل للسلطة الفلسطينية.

وقد أثارت هذه الصيغة اعتراضات واضحة من الأردن ومصر وتركيا، التي رأت أن إدخال لاعبين خارجيين على رأس الإدارة يقوّض أي تمثيل فلسطيني حقيقي.

لكن رغم ذلك، فضّلت هذه العواصم التماهي مع واشنطن والاكتفاء بملاحظات تقنية، خصوصًا مع الوعود الأميركية بعدم الاعتراف بضم الضفة الغربية، وهو ما اعتبرته بعض الدول “تنازلًا تكتيكيًا” مهمًا.

الضغوط على حماس

منذ أسابيع، تتصاعد الضغوط الإقليمية على حماس للقبول بالخطة. فإلى جانب الدور القطري، بدأ جهاز المخابرات المصرية –بأوامر مباشرة من السيسي– التواصل مع قيادة الحركة لتجهيزها نفسيًا وسياسيًا للقبول.

وبحسب مصادر مصرية، فإن القاهرة وأبوظبي اتفقتا على “أقصى ضغط” لإجبار الحركة على تقديم رد إيجابي سريع. تركيا من جهتها أعلنت أن مهمتها إقناع الفلسطينيين، مقابل أن تتولى واشنطن إقناع إسرائيل. هذا التوزيع في الأدوار يعكس قناعة إقليمية بأن “الخيار الوحيد” المطروح أمام حماس هو القبول أو مواجهة عزلة شاملة.

مع ذلك، برزت مخاوف خليجية متصاعدة عقب تقارير عن محاولات إسرائيلية لاغتيال قادة حماس في الخارج، بما في ذلك في الدوحة والقاهرة.

وأبدت السعودية والإمارات وقطر خشية من أن يؤدي استضافة عناصر الحركة إلى فتح أراضيها أمام عمليات إسرائيلية مباشرة. وفي غياب ضمانات أميركية أو إسرائيلية، بقيت هذه الهواجس قائمة، ما جعل بعض العواصم تفكر في خيارات “إيواء مشروط” أو نقل بعض القيادات إلى تركيا حيث قد تحظى بحماية أكبر.

مستقبل القوة الدولية

إحدى النقاط الأكثر حساسية كانت طلب ترامب من الدول العربية والإسلامية –بما فيها الإمارات والسعودية وقطر والأردن– إرسال قوات للمشاركة في “قوة الاستقرار الدولية”. البيان المشترك الصادر عن ثماني دول عربية وإسلامية رحّب بالخطة علنًا، لكنه في الكواليس أثار جدلًا واسعًا: من سيقود هذه القوة؟ من يحدد قواعد الاشتباك؟ وكيف تُشرعن دوليًا؟

بينما فضّلت بعض الدول الخليجية ترك الباب مفتوحًا، ضغطت القاهرة وعمان وأنقرة من أجل موافقة مجلس الأمن الدولي لإضفاء شرعية، لكن واشنطن وتل أبيب أسقطتا الفكرة بسرعة.

وعليه بين التأييد العلني والتحفّظات الكامنة، تكشف خطة ترامب بشأن غزة عن تناقضات المواقف الخليجية والعربية.

فالإمارات ترى فيها فرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي، ومصر تنظر إليها من زاوية المكاسب الاقتصادية ومنع التهجير، والسعودية تمارس دعمًا حذرًا لتجنّب الصدام مع الداخل العربي، بينما قطر وتركيا تميلان للضغط على حماس بصفتهما “رعاة وسطاء”.

ورغم الصدمة من إعادة الصياغة الأميركية–الإسرائيلية، فإن جميع هذه الدول وجدت نفسها، بدرجات مختلفة، أمام واقع سياسي يجعل من تأييد الخطة –ولو مع التحفظ– الخيار الأقل تكلفة، في انتظار ما ستؤول إليه ردود حماس والشعب الفلسطيني، الذين يبدون حتى الآن الحلقة الأضعف في معادلة صاغتها القوى الكبرى وأقرتها العواصم الإقليمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى