تقرير إيطالي: صراع نفوذ صامت داخل قصور الحكم في أبوظبي يكشف هشاشة التوازن داخل العائلة

كشف موقع إنسايد أوفر الإيطالي في تقريرٍ مطوّل عن تصاعد توترٍ خفي داخل أروقة الحكم في أبوظبي، وصفه بأنه “صراع نفوذ صامت” بين أجنحة العائلة الحاكمة في دولة الإمارات، بدأ يخرج تدريجيًا إلى العلن بعد سنوات من التفاهم الحذر، ما يعكس هشاشة التوازن القائم داخل بيت آل نهيان، ويثير تساؤلات حول مستقبل مركز القرار في الدولة التي تقدّم نفسها كواحة استقرار وسط بيئةٍ إقليمية مضطربة.
ووفقًا للتقرير، يدور محور هذا التوتر بين الشقيقين طحنون بن زايد آل نهيان وهزاع بن زايد آل نهيان، في صراعٍ تتقاطع فيه المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية.
طحنون بن زايد.. “رجل الظل” وصاحب النفوذ العابر للمؤسسات
يشير إنسايد أوفر إلى أن طحنون بن زايد يُعتبر اليوم أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في المنظومة الحاكمة الإماراتية، حيث يوصف في الأوساط الغربية بأنه “رجل الظل” وصاحب الإمبراطورية الأمنية والاقتصادية الأوسع داخل الدولة.
ويمتلك طحنون شبكة نفوذٍ تمتد من التكنولوجيا السيبرانية والذكاء الاصطناعي إلى قطاعات الأمن والاستثمار، عبر مؤسسات وشركات كبرى مثل “غروب 42” (G42) و**“الدار العقارية”** و**“لُنيت”**، التي تمزج بين البنية الاقتصادية والأمنية وتوظف التكنولوجيا في جمع وتحليل البيانات والتحكم في تدفقات الاستثمار الخارجي.
وبحسب التقرير، يُنظر إلى طحنون على أنه العقل المدبّر وراء شبكة المراقبة الواسعة داخل الإمارات وخارجها، خصوصًا تلك الموجّهة ضد المعارضين السياسيين ورجال الأعمال المقيمين في الخارج. وتتهم تقارير غربية مؤسساته الأمنية بالتعاون مع شركات إسرائيلية وأميركية متخصصة في المراقبة السيبرانية، ما جعل طحنون أحد أقوى صانعي القرار الفعليين في البلاد إلى جانب شقيقه الأكبر محمد بن زايد آل نهيان.
هزاع بن زايد.. الوجه الهادئ الذي يتحرّك في الظل المقابل
في المقابل، يصف التقرير هزاع بن زايد، نائب حاكم أبوظبي الحالي، بأنه “الوجه الهادئ” للعائلة الحاكمة، الذي تولّى لسنوات ملفات البنية التحتية والتنمية المحلية بعيدًا عن الصراعات السياسية.
غير أن الموقع يؤكد أن هزاع بدأ خلال الأشهر الأخيرة يتحرك في مناطق نفوذ شقيقه طحنون، خصوصًا في ملفاتٍ خارجية حساسة كاليمن وليبيا والسودان، حيث تتقاطع مصالح الأجهزة الأمنية والاقتصادية التي يديرها طحنون مع مصالح هزاع وشبكاته الخاصة.
ويرى مراقبون نقل عنهم إنسايد أوفر أن هزاع يسعى اليوم إلى إعادة التوازن داخل دائرة الحكم، محاولًا تعزيز حضوره السياسي بعد تهميشٍ تدريجي رافق صعود طحنون إلى صدارة المشهد الأمني والاقتصادي، فيما تتحدث مصادر مطلعة عن تزايد التوتر بين الأخوين بشكل غير مسبوق.
قرارات 2023.. إعادة توزيع السلطة أم إحكام قبضتها؟
يربط التقرير جذور هذا الصراع بالتعيينات التي أُعلنت عام 2023، حين أصدر الرئيس محمد بن زايد قرارات تاريخية نصّب بموجبها نجله خالد بن محمد بن زايد وليًا للعهد، وعيّن شقيقيه طحنون وهزاع نائبين لحاكم أبوظبي.
ويشير إنسايد أوفر إلى أن هذه القرارات، التي جرى تقديمها رسميًا كخطوة “تنظيمية لتوزيع المهام”، كانت في الواقع محاولة دقيقة لإعادة توزيع مراكز القوة وضمان بقاء القرار النهائي بيد محمد بن زايد، من خلال خلق معادلة توازن داخلية تمنع أي جناح من الانفراد بالنفوذ.
لكنّ هذه “المعادلة الثلاثية” — بحسب مراقبين غربيين — خلقت نظامًا هشًّا داخل قصور الحكم، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والمالية والسياسية بين الأخوين في ملفات شديدة الحساسية مثل إدارة الصناديق السيادية والعلاقات مع القوى الإقليمية.
صراع يتجاوز حدود الداخل
ويؤكد التقرير أن ما يحدث بين طحنون وهزاع يتجاوز حدود التنافس العائلي، إذ يعكس صراع أجنحةٍ أعمق داخل منظومة الحكم، يتداخل مع شبكة التحالفات الإقليمية والخارجية التي بنتها الإمارات خلال العقد الأخير.
فطحنون، كما يورد الموقع، يقود الجناح الأكثر انخراطًا في السياسات الإقليمية المعقدة، من تمويل القوات شبه العسكرية في السودان، إلى ترتيبات أمنية في اليمن وليبيا، وصولًا إلى التعاون الاستخباراتي مع إسرائيل.
أما هزاع فيتبنّى — وفق التقرير — نهجًا أكثر تحفظًا، ويرى في هذا التوسع المفرط مخاطرة بمستقبل البلاد واستقرارها الداخلي، ما يزيد من حدة التباين داخل الأسرة الحاكمة حول طبيعة الدور الإقليمي للإمارات.
ويضيف إنسايد أوفر أن بعض الدوائر الغربية، لا سيما في واشنطن ولندن، تتابع هذا التوتر بحذر، إذ تخشى أن يؤدي إلى اضطراب في هيكل السلطة الإماراتي الذي تعتبره هذه العواصم حجرَ زاويةٍ في سياساتها الأمنية والاقتصادية بالمنطقة.
هشاشة “دولة الرجل الواحد”
ينقل الموقع عن محللين سياسيين أن الاستقرار الذي تُظهره الإمارات يخفي تحت السطح هشاشة بنيوية عميقة، إذ تُدار الدولة اليوم — على حد وصفهم — وفق توازنات شخصية بين أفراد العائلة الحاكمة، وليس عبر مؤسسات دستورية راسخة.
ويشير أحد المحللين المقيمين في لندن إلى أن تركيز السلطة في يد محمد بن زايد جعل مراكز القرار الأخرى مرتبطة بولاءات فردية، ما يعني أن أي تباين بين إخوته قد يتحول إلى أزمة حكم حقيقية في حال غياب القيادة المركزية.
ويرى التقرير أن نجاح الإمارات في السنوات المقبلة سيعتمد إلى حدٍّ كبير على قدرة آل نهيان على ضبط الخلافات الداخلية، خاصة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية المرتبطة بتدخلات أبوظبي في اليمن والسودان وليبيا.
ويختتم إنسايد أوفر تقريره بالقول إن ما يجري داخل قصور الحكم في أبوظبي لا يمكن اعتباره مجرد تنافس شخصي بين شقيقين، بل مؤشر على تصدعاتٍ حقيقية في نظامٍ يبدو قويًا في ظاهره لكنه يقف على أرض رخوة من المصالح المتشابكة والولاءات الفردية.
فبين “رجل الظل” طحنون بن زايد، صاحب الإمبراطورية الأمنية والاقتصادية، و”الوجه الهادئ” هزاع بن زايد الساعي لاستعادة موقعه، يقف محمد بن زايد في المنتصف، يحاول حفظ توازنٍ دقيق يبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى.















