مخاوف من أزمة هوية في الكويت وسط انقسام حول تفسير مثل شعبي شهير

تشهد الكويت منذ أيام جدلًا واسعًا وغير مسبوق حول مثل شعبي غامض عاد إلى الواجهة فجأة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليشعل نقاشات محتدمة بين المواطنين والمهتمين بالتراث حول معناه وأصوله، وسط تحذيرات من أن يتحول الخلاف الثقافي إلى ما يشبه “أزمة هوية وطنية”.

وانقسم الكويتيون بشدة حول تفسير المثل الشعبي “من ذاق عين النقرور”، فبينما يرى فريق أنه “ما طلع من السور”، يؤكد آخرون أنه “ما تعدى الشامية”، في حين يصرّ فريق ثالث على أن الأصل هو “ما طلع من الكور”، فيما يرى رابع أن المثل الكامل هو “من ذاق عين النقرور ينام بالشامية”.

ورغم الطابع الطريف للجدل، إلا أنه كشف عن انقسام ثقافي أعمق مما يبدو، حيث يرى البعض أن الخلاف يعكس فجوة بين الأجيال في فهم التراث الشعبي والهوية المحلية، بينما يرى آخرون أن الأزمة مفتعلة ومبالغ فيها.

حيرة جماعية وتحليلات متباينة

يشير المثل بحسب روايات قديمة إلى أن من يأكل “النقرور” في الكويت يعود إليها دائمًا، في تشبيه بمن يشرب من نهر النيل ويعود إلى مصر.

لكن غموض كلمة “عين النقرور” أثار حيرة عامة، وتحول إلى موضوع ساخر في المنتديات ومنصات التواصل، مع تصاعد منشورات وتغريدات تبحث في “أصل النقرور” و”طبيعة العين”.

وقال شهود عيان في ديوانية بمنطقة الفروانية إن النقاش بدأ بهدوء عندما تساءل أحد رواد موقع “إنستغرام” عن معنى المثل، قبل أن يتطور الحوار إلى مناظرة مطولة امتدت أربع ساعات، وانتهت بانقطاع الكهرباء وسط ضحك ودهشة الحاضرين.

ويروي أحد الحاضرين أن النقاش تحول إلى مستويات فلسفية، حيث ذهب البعض إلى أن المثل يحمل أبعادًا رمزية عن “الانتماء والعودة إلى الجذور”، بينما رأى آخرون أنه “ينتقد الغفلة السياسية والدستورية” في البلاد. وكتب مغرد على منصة “إكس”: “ربما المقصود بعين النقرور هو عين الدستور، وكل من ذاقها لا يبتعد عن الوطن”.

أصول غامضة ومرويات متناقضة

قال الباحث في التراث الشعبي مطر البناي إن المثل يعود إلى فترة ما قبل اكتشاف النفط، حين كانت الأمثال تعكس البيئة البسيطة والعلاقات الاجتماعية القوية.

وأضاف: “عين النقرور قد تكون بئرًا مائية أو منطقة ساحلية أو حتى وصفًا رمزيًا لشخص نافذ البصيرة، لكن على الأرجح أن أصلها يعود إلى طبق شعبي قديم من الأسماك أو الحلوى انقرض مع الزمن”.

وتابع البناي: “المفارقة أن أحدًا في الكويت لم يذق عين النقرور فعلًا، وهذا ما يجعل المثل خالدًا وغامضًا في آن واحد”.

في المقابل، دعت مجموعة من المستخدمين إلى تشكيل لجنة وطنية لتفسير الأمثال الشعبية القديمة، معتبرين أن “الجهل بمعاني التراث يمثل خطرًا على الهوية الوطنية”.

فيما اقترح آخرون سنّ قانون يمنع استخدام الأمثال “غير المفهومة” في النقاشات العامة لتجنب الجدل غير المنتج، بينما طالبت فئة ثالثة بإدراج المثل في المناهج الدراسية “لتعزيز التفكير النقدي لدى الطلبة”.

وفي خضم الجدل، أدلى صحفي رياضي بتصريح أثار مزيدًا من الضجة حين قال إن “أطرافًا خارجية تقف خلف إثارة هذه الحالة من الانقسام الثقافي لتشتيت انتباه الرأي العام والمنتخب الكويتي قبل تصفيات كأس العرب”.

ورأى أن التفاعل المبالغ فيه حول المثل قد يكون “اختبارًا للوعي الشعبي وقدرة الكويتيين على التفرقة بين القضايا الجوهرية والهامشية”.

من جهتها، أعلنت جمعية الثقافة الشعبية الكويتية عن نيتها عقد ندوة موسعة تحت عنوان “عين النقرور بين الحقيقة والمجاز”، يشارك فيها باحثون في التراث وخبير لغوي وطباخ قديم من سوق المباركية، في محاولة لفك لغز المثل وإعادة تأطيره ثقافيًا.

وقال مسؤول في الجمعية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن الجدل الدائر “يكشف عن أزمة هوية ثقافية في الكويت، قد تكون مقدمة لأزمات أعمق مستقبلًا إذا لم تُعالج بالحوار العلمي الرصين”.

وأضاف أن “غياب المرجعيات الموحدة للتراث وتراجع الجيل الذي حفظ الأمثال الشعبية بدقة، مثل الراحل مانع يوسف علف المعروف بكثرة ترديده للأمثال، جعل التحقق من النصوص القديمة أكثر صعوبة”.

ما وراء المثل… أزمة هوية؟

يرى محللون أن تضخم الجدل حول مثل شعبي يعكس حاجة المجتمع الكويتي لإعادة تعريف رموزه الثقافية المشتركة، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها البلاد منذ سنوات.

فبين جيلٍ نشأ على الأمثال والحكايات الشعبية، وجيلٍ جديد يعيش في فضاء رقمي سريع التغير، يبدو أن المعاني لم تعد تجمع الكويتيين كما في السابق.

ويحذر خبراء من أن فقدان الاتفاق على الرموز اللغوية والثقافية، حتى وإن بدت بسيطة، قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في وحدة الهوية الوطنية. كما أشار أحد الأكاديميين إلى أن “الأمثال الشعبية ليست مجرد عبارات، بل خزان للذاكرة الجمعية، وإذا فقدنا القدرة على تفسيرها، فقد نفقد جزءًا من ذاكرتنا المشتركة”.

وفي نهاية المطاف، ورغم انقسام التفسيرات وتعدد الروايات، يتفق معظم الكويتيين على حقيقة واحدة تلخّص روح المثل الغامض: من ذاق عين النقرور – أيًّا كانت – لن يعود كما كان قبلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى