السعودية تطرح مبادرة لإصلاح السلطة الفلسطينية تمهيدًا لعودتها إلى إدارة غزة

كشفت صحيفة «إسرائيل هيوم» أن المملكة العربية السعودية عادت إلى واجهة المشهد السياسي الفلسطيني – الإقليمي، من خلال طرح مقترح يقضي بتوليها دور الإشراف على إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية، باعتبار ذلك خطوة تمهيدية لإعادة تمكينها من تولّي مسؤوليات الحكم في قطاع غزة.
ويأتي هذا التحرّك بعد فترة من ابتعاد الرياض عن ملف غزة، إذ كانت قد أعلنت في وقت سابق رفضها لأي انخراط مباشر، بما في ذلك نشر قوات، طالما استمرت حركة «حماس» في السيطرة على القطاع.
غير أن هذا الموقف يشهد تحولًا ملحوظًا، إذ التقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مساء الأربعاء في واشنطن، بنظيره الأميركي ماركو روبيو، حيث عرض رؤية سعودية جديدة تقوم على تولّي المملكة دور الراعي أو المشرف الفعلي على عملية إصلاح السلطة الفلسطينية، بما يضمن تنفيذ المعايير المطلوبة دوليًا.
وتُعد هذه الإصلاحات شرطًا أساسيًا تطرحه كل من إسرائيل والولايات المتحدة، إضافة إلى السعودية والإمارات، للسماح بعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، وربما لإعادة إطلاق مسار المفاوضات السياسية.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أكد، في تصريحات لصحيفة «إسرائيل هيوم» خلال مؤتمر صحفي عقده في منتجع مارالاغو في 29 ديسمبر/كانون الأول، أن إسرائيل ستواصل معارضة إعادة السلطة الفلسطينية إلى إدارة غزة ما دامت غير ملتزمة بهذه المعايير، التي تشكل أيضًا جزءًا من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المؤلفة من عشرين بندًا.
وبحسب الصحيفة، لا يقتصر البعد السعودي للمبادرة على الشق الفلسطيني فحسب، بل يتصل أيضًا برغبة الرياض في المساهمة في إنهاء الحرب في غزة بشكل كامل، وتنفيذ خطة ترامب، وهو ما من شأنه إزالة أحد أبرز العوائق أمام انضمام المملكة إلى «اتفاقيات أبراهام».
غير أن مسؤولين سعوديين وأميركيين أقرّوا بأن فرص تحقيق هذا الهدف تبقى محدودة في ظل التركيبة الحالية للائتلاف الحاكم في إسرائيل.
وتشير المعطيات إلى أن السعودية كانت في الأصل من أبرز الداعين إلى إصلاحات عميقة داخل السلطة الفلسطينية، تشمل تغييرات هيكلية لمكافحة الفساد وتبسيط الإجراءات الإدارية، إلى جانب خطوات تهدف إلى إبعاد السلطة عن أي صلة بالإرهاب، بما في ذلك مراجعة المناهج التعليمية وخطب المساجد، ونزع مظاهر التطرف من الخطاب الرسمي.
ملف «الدفع مقابل القتل»
في هذا السياق، تواصل إسرائيل والولايات المتحدة الضغط من أجل وقف سياسة المخصّصات المالية التي تُدفع للأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم، ولعائلات منفذي العمليات، المعروفة إسرائيليًا وأميركيًا بسياسة «الدفع مقابل القتل».
وتؤكد السلطة الفلسطينية أنها أجرت تغييرات على هذه الآلية، إلا أنها، بحسب مصادر إسرائيلية، اكتفت بنقل هذه المدفوعات إلى جهة خارجية مع ضمان استمرار تدفّق الأموال.
ووفق تحقيق أعدّه المقدم في الاحتياط موريس هيرش، الباحث في مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية، فإن السلطة الفلسطينية رفعت حجم هذه المدفوعات خلال عام 2025، رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة وتراجع الإيرادات والضغوط الدولية المتزايدة.
وتُظهر البيانات أن السلطة أنفقت نحو 144 مليون دولار على هذه المخصّصات في عام 2024، بينما التزمت بدفع ما يقارب 214 مليون دولار في عام 2025، وهو عام لم يكتمل بعد. وتُمنح هذه الأموال لعائلات الأسرى، والمصابين أثناء تنفيذ هجمات، ولعائلات من تصفهم السلطة بـ«الشهداء».
وبحسب تقارير صدرت خلال عام 2025، أعادت السلطة هيكلة نظام المدفوعات جزئيًا لتخفيف الضغوط الدولية، عبر إدخالها ضمن برامج رفاه اجتماعي قائمة على معايير اقتصادية–اجتماعية، غير أن التمويل استمر فعليًا من موازنة السلطة، في بعض الأحيان عبر قنوات غير مباشرة.
وفي المقابل، صادرت إسرائيل مبالغ تعادل قيمة هذه المخصّصات من عائدات الضرائب التي تجمعها نيابةً عن السلطة الفلسطينية، ما فاقم الأزمة المالية في رام الله.
وتسعى المبادرة السعودية، وفق مصادر دبلوماسية، إلى معالجة هذا الملف، إذ تقترح الخطة الإفراج التدريجي عن جزء من الأموال المحتجزة مع تقدّم الإصلاحات، على أن تقدّم الرياض منحة مالية تحفيزية لدعم ميزانية السلطة خلال المرحلة الانتقالية.
وفي هذا الإطار، أجرى حسين الشيخ، نائب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والمرشح الأبرز لخلافته، جولة خليجية شملت السعودية الشهر الماضي، عرض خلالها برنامج الإصلاح، محذرًا من التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، ومطالبًا بدعم عربي، ولا سيما سعودي.
وتهدف المبادرة السعودية، التي أعقبت تلك اللقاءات، إلى معالجة إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في ملف إعادة إعمار غزة، والمتمثلة في غياب جهة حاكمة متوافق عليها. وتشير التقارير إلى وجود قوائم بأسماء مرشحين فلسطينيين لتولي مناصب قيادية في إدارة مدنية جديدة للقطاع، غالبيتهم من التكنوقراط والبيروقراطيين الذين سبق أن عملوا ضمن مؤسسات السلطة الفلسطينية.
وأفادت «إسرائيل هيوم» بأن هذه القوائم أُحيلت إلى إسرائيل لإجراء فحص أمني يهدف إلى التأكد من عدم وجود صلات للمرشحين بمنظمات مسلحة في القطاع.
الإمارات ترفض المقترح
وفي المقابل، تدفع كل من مصر وتركيا وقطر باتجاه إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة حتى قبل استكمال تنفيذ الإصلاحات. وأعلنت القاهرة أن عناصر من السلطة، بمن فيهم أفراد من الأجهزة الأمنية، سيتولون تشغيل معبر رفح من الجانب الفلسطيني، معتبرة أنه لا توجد جهة أخرى تمتلك الشرعية القانونية والقدرة العملية على إدارة المعبر.
كما تروج مصر لمقترح يقضي بتسليم حركة «حماس» أسلحتها إلى قوات السلطة الفلسطينية، وفق مبدأ «حكومة واحدة وسلاح واحد»، معتبرة أن ذلك قد يشكل مدخلًا لمعالجة ملف نزع سلاح القطاع.
غير أن إسرائيل ترفض هذا الطرح، وتعارض إدماج السلطة الفلسطينية في هذه المرحلة المبكرة قبل تنفيذ الإصلاحات، كما ترفض أي سيناريو تُنقل فيه أسلحة «حماس» إلى أيدي عناصر تابعة للسلطة.
ويبرز في هذا السياق الموقف الإماراتي، إذ لا تدعم أبوظبي المبادرة السعودية في شكلها الحالي، معتبرة أن فرص تنفيذ الإصلاحات ما تزال ضعيفة.
كما رفضت القيادة الإماراتية تقديم منحة تحفيزية للسلطة الفلسطينية في هذه المرحلة، مشترطةً أي دعم بتحقيق تقدم ملموس وسريع في ملفات الإصلاح، ولا سيما وقف مخصّصات الأسرى وتعديل المناهج التعليمية.
وتشير الصحيفة إلى أن الإمارات تواصل اتباع نهج مختلف عن غالبية الدول العربية، بل وعن السعودية نفسها، في وقت شهدت فيه العلاقات بين الرياض وأبوظبي توترات خلال الفترة الماضية، خاصة في ملفات إقليمية، أبرزها اليمن.















