تحليل: تداعيات الخلاف السعودي الإماراتي وإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط

كشفت صحيفة ساوث تشاينا سي بوست أن الشرق الأوسط دخل مع مطلع عام 2026 مرحلة اضطراب متصاعدة، تتقاطع فيها طموحات متنافسة وتحالفات مرنة، وسط مخاوف متزايدة من أن تكون المنطقة على أعتاب موجة صراعات أوسع، مع عودة بؤر التوتر من غزة إلى سوريا، وتحول شركاء الأمس إلى خصوم.

وبحسب الصحيفة، يرى محللون أن الإقليم يتموضع اليوم داخل نظام دولي آخذ في التحول، حيث تتراجع القواعد التقليدية التي قادتها الولايات المتحدة، لصالح بيئة أكثر فوضوية وتعددا للأقطاب، ما يفتح المجال أمام تصاعد التنافس الإقليمي واحتمالات العنف.

ونقلت الصحيفة عن منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، قولها إن النظام الإقليمي الجديد لا يزال في مراحله الأولى، إلا أن ملامح تحالفات مرنة بدأت تتشكل بالفعل، في مقدمتها منافسة متصاعدة بين السعودية والإمارات، الحليفين السابقين اللذين يسعيان اليوم إلى رؤيتين مختلفتين للقيادة الإقليمية.

وأوضحت يعقوبيان أن أحد المحاور الناشئة يضم السعودية وقطر وسلطنة عُمان ومصر وتركيا وباكستان، في مقابل محور آخر تقوده الإمارات ويشمل إسرائيل والهند.

ولفتت إلى أن توقيع أبو ظبي ونيودلهي خطاب نوايا لشراكة دفاعية استراتيجية فُسّر على نطاق واسع كردّ على تقارير تحدثت عن مشاورات أمنية ثلاثية بين أنقرة وإسلام آباد والرياض.

ووفق الصحيفة، يأتي هذا التطور بعد اتفاق دفاعي سعودي–باكستاني أُبرم في سبتمبر/أيلول الماضي، وفي سياق إقليمي شديد التوتر شمل غارات إسرائيلية استهدفت مفاوضين من حركة حماس في قطر، إضافة إلى هجوم إيراني سابق على قاعدة أميركية في الخليج.

وتشير ساوث تشاينا سي بوست إلى أن هذه الكتل المتنافسة تضم على الورق قوى عسكرية كبرى، من بينها الهند النووية وإسرائيل وباكستان وتركيا العضو في حلف الناتو، ما يثير مخاوف من نشوء شبكة ردع معقدة قد تمنع الحرب، لكنها في الوقت ذاته قد تساهم في إشعالها.

وفي هذا الإطار، حذرت يعقوبيان من أن الحرب الجوية القصيرة بين الهند وباكستان في مايو/أيار الماضي كادت أن تنزلق إلى مواجهة نووية، معتبرة أن بروز هذه الاصطفافات الفضفاضة يعمق مناخ التشظي وعدم الاستقرار، خصوصا في دول تعيش نزاعات مفتوحة مثل اليمن والسودان، وقد يعيد دولا أخرى مثل سوريا إلى دائرة الفوضى.

ورغم ذلك، شددت يعقوبيان على أن هذه التكتلات لا تزال غير صلبة، مشيرة إلى أن دولا مثل مصر والهند وباكستان تحافظ على علاقات وثيقة مع كل من السعودية والإمارات، ومن غير المرجح أن تخاطر بها عبر الانحياز الحاد لأي محور.

وفي الشأن السوري، أفادت الصحيفة بأن المخاطر تبدو أكثر وضوحا، في ظل الضغوط التي يتعرض لها النظام الجديد المدعوم من تركيا منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد أواخر 2024. وأشارت إلى تجدّد التوتر مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتراجع الأخيرة عن اتفاق رعته واشنطن للاندماج في البنية الحاكمة، ما ينذر بفتح جبهات صراع إضافية.

ونقلت الصحيفة عن جورجيو كافيرو، الرئيس التنفيذي لشركة غلف ستيت أناليتكس، قوله إن سوريا باتت تمثل نقطة اشتعال كبرى بسبب تضارب الرؤى الإقليمية، موضحا أن المساعي التركية لإعادة بناء دولة سورية موحدة بدعم سعودي تتعارض مع الأجندة الإسرائيلية الساعية إلى إضعاف سوريا ومنعها من استعادة قدراتها الدفاعية.

كما أوردت ساوث تشاينا سي بوست تصريحات لحسين إبيش، الباحث في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، رأى فيها أن التقارب السعودي التركي يعكس تراجعا للسياسات الإسلاموية، لكنه في الوقت ذاته يعبر عن قلق متنامٍ من السلوك الإسرائيلي.

وأشار إلى أن إسرائيل لم تعد تُنظر إليها كعامل استقرار في الخليج، بل كمصدر متزايد لانعدام الأمن، خصوصا بعد ردّها العنيف على هجوم حماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاه من عمليات عسكرية في غزة والضفة ولبنان وسوريا، وصولا إلى الغارة الجوية التي استهدفت قطر.

ورجح إبيش، وفق الصحيفة، أن تبقى التوترات بين السعودية والإمارات ضمن حدود السيطرة، في ظل استمرار التهديد الإيراني، لكنه شدد على أن إصلاح العلاقة بين البلدين يتطلب جهدا دبلوماسيا مكثفا، خاصة مع تضارب دعمهما لأطراف متنافسة في اليمن والسودان والصومال.

وفي ختام تقريرها، أشارت ساوث تشاينا سي بوست إلى أن المنطقة تترقب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال توجيه ضربة مباشرة لإيران، في وقت تتحرك فيه مجموعة حاملة طائرات أميركية نحو الخليج.

وحذرت من أن تجاهل دعوات ضبط النفس قد يدفع طهران إلى رد واسع يستهدف القواعد الأميركية وإسرائيل، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد خطيرة في إقليم وصفه إبيش بأنه يعيش حالة سيولة «يمكن أن يحدث فيها أي شيء» ما لم تُفرض آليات ردع فعالة، وهو أمر «ليس سهلا».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى