جنود أمريكيون سابقون يترشحون للكونغرس دفاعًا عن فلسطين

في تطور لافت داخل المشهد السياسي الأمريكي، أعلن جنديان أمريكيان سابقان تحوّلا إلى مناصرين علنيين للقضية الفلسطينية ترشحهما للكونغرس، في خطوة تعكس تصدّعًا متزايدًا داخل المؤسسة العسكرية والسياسية التقليدية إزاء الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل.

ويخوض جريج ستوكر وأنتوني أغيلار، وكلاهما خدم في وحدات نخبوية بالجيش الأمريكي، انتخابات التجديد النصفي المقبلة مستندين إلى رصيد جماهيري بناه كل منهما عبر فضح الانتهاكات الإسرائيلية في غزة، والدور الأمريكي في تمكينها.

وأطلق ستوكر، الجندي السابق في قوات “الرينجرز” الذي خدم أربع مرات في أفغانستان، حملته الانتخابية عن الدائرة 31 في ولاية تكساس في منتصف يناير/كانون الثاني، عبر مقطع مصور نشره على حسابه في إنستغرام.

وبعد أيام قليلة، أعلن أغيلار، الجندي المتقاعد من القوات الخاصة الأمريكية “القبعات الخضراء”، ترشحه عن الدائرة 13 في ولاية كارولاينا الشمالية، في خطوة مماثلة من حيث التوقيت والمنصة.

واللافت أن كلا الدائرتين تُصنّفان تاريخيًا على أنهما معقلان للحزب الجمهوري، ما يجعل فرص المرشحين المستقلين أو من خارج الحزبين التقليديين محدودة.

غير أن السياق السياسي الراهن، الذي يشهد تراجعًا في شعبية الرئيس دونالد ترامب وتصاعد السخط الشعبي من سياسات الهجرة والحروب الخارجية، يفتح الباب أمام مفاجآت انتخابية، خاصة في ظل غياب معارضة فعالة داخل الكونغرس من التيار الديمقراطي التقليدي.

خارج الحزبين… وضد الحروب

يخوض ستوكر وأغيلار السباق الانتخابي كمرشحين عن حزب الخضر، رافعين برنامجًا سياسيًا يقوم على رفض الحروب الخارجية، وقطع التمويل عن إسرائيل، ومواجهة نفوذ الشركات الكبرى واللوبيات العسكرية.

ويؤكد كلاهما أنهما لن يقبلا أي تمويل من لجان العمل السياسي أو من الشركات، في محاولة للتمايز عن الطبقة السياسية السائدة.

وفي خطابه الانتخابي، هاجم ستوكر ما وصفه بـ”السياسات الجوفاء” التي تغرق فيها تكساس، قائلًا إن الولاية لا يحكمها الديمقراطيون ولا الجمهوريون، بل العزوف الشعبي عن التصويت نتيجة فقدان الثقة في نظام لا يقدم سوى “حروب ثقافية” بينما تتآكل الأوضاع المعيشية.

وركز على قضايا القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، ومحاسبة المسؤولين الذين “يبيعون الولاية للمصالح الأجنبية والشركات الكبرى”.

أما أغيلار، فطرح برنامجًا اجتماعيًا أكثر تفصيلًا، دعا فيه إلى سكن ميسور للجميع، ورعاية صحية شاملة، وأجور تضمن حياة كريمة، مؤكدًا أن هذه المطالب “حقوق إنسان وليست امتيازات”.

وربط بين تجربته العسكرية الممتدة لأكثر من 25 عامًا وبين التزامه بخدمة الشعب، معتبرًا أن خلع الزي العسكري لا يعني التخلي عن القسم بحماية الدستور.

غزة… نقطة التحول

شكّلت حرب غزة نقطة التحول المركزية في مسار الرجلين. فقد بنى ستوكر حضورًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال تحليلات عسكرية وسياسية تنتقد التكتيكات الأمريكية والإسرائيلية في القطاع، واصفًا نفسه بأنه “تعرض لغسيل دماغ” داخل الجيش قبل أن يراجع قناعاته.

وشارك لاحقًا في “أسطول الصمود العالمي” لكسر الحصار عن غزة، قبل أن تعتقله القوات الإسرائيلية مع بقية النشطاء، ويعود إلى الولايات المتحدة وسط استقبال حاشد من مناصريه.

أما أغيلار، فكان تحوله أكثر حدّة وسرعة. فبعد تقاعده من الجيش في 2025، تعاقد مع مؤسسة “غزة الإنسانية” لتأمين موقع مساعدات في القطاع، قبل أن يصطدم – بحسب روايته – بحقيقة عمل المؤسسة كغطاء أمني يخدم الجيش الإسرائيلي.

وقدّم أغيلار شهادات علنية تحدث فيها عن استهداف فلسطينيين خلال توزيع المساعدات، ما دفعه إلى لقاء عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، بينهم بيرني ساندرز وكريس فان هولين.

ورغم الجدل الذي أثير لاحقًا حول بعض تفاصيل شهادته، إلا أن أغيلار بات وجهًا بارزًا في الاحتجاجات المؤيدة لغزة داخل الولايات المتحدة، ولاقى دعمًا من منظمات حقوقية وجماعات مناهضة لسياسة “إسرائيل أولًا”.

تحدي السردية السائدة

يمثل ترشح ستوكر وأغيلار تحديًا مباشرًا للسردية السياسية الأمريكية التقليدية التي تربط “الوطنية” بالدعم المطلق لإسرائيل. فهما ينطلقان من خلفية عسكرية تجعل انتقاد إسرائيل، بوصفها حليفًا استراتيجيًا، أكثر وقعًا داخل الرأي العام، خصوصًا في الأوساط المحافظة.

ورغم أن فرص فوزهما لا تزال غير محسومة، فإن حملتيهما تعكسان تحوّلًا أعمق داخل المجتمع الأمريكي، حيث باتت غزة عاملًا كاشفًا لتناقضات السياسة الخارجية، ومحرّكًا لظهور أصوات جديدة تسعى إلى كسر التحالفات الراسخة.

وفي هذا السياق، قد لا يكون الرهان فقط على مقاعد الكونغرس، بل على إعادة تعريف ما يعنيه أن تكون “وطنيًا” في أمريكا اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى