التويجري: لماذا يعد اتهام السعودية بمعاداة السامية أمراً عبيثياً
قراءة تحليلية في مقال للدكتور أحمد التويجري

يرى الدكتور أحمد التويجري، في مقال رأي نشره موقع ميدل إيست آي، أن اتهام المملكة العربية السعودية بمعاداة السامية يُعد اتهاماً غير قائم على أسس علمية أو قانونية، ويأتي في إطار ما يصفه بحملة منهجية تقودها دوائر صهيونية وإعلامية غربية لخلط النقد السياسي لإسرائيل أو الصهيونية بمفهوم العداء لليهود.
وبحسب التويجري، اعتمدت الصهيونية العالمية، إلى جانب الدولة الإسرائيلية، خلال السنوات الماضية على استراتيجية قائمة على الترهيب المعنوي، تقوم على وصم أي نقد لسياسات إسرائيل أو أيديولوجيا الصهيونية بتهمة “معاداة السامية”، بغض النظر عن طبيعة هذا النقد أو استناده إلى وقائع موثقة.
ويشير إلى أن هذا النهج تصاعد بشكل لافت خلال العامين الأخيرين، لدرجة أن الاتهام طال مفكرين وفلاسفة ومؤرخين وصحافيين يهود، لمجرد انتقادهم إسرائيل أو إدانة ما يصفونه بجرائمها، بما في ذلك الحرب على غزة.
من نقد سياسي إلى اتهام دولة
ويستعرض التويجري تجربته الشخصية بوصفها مثالاً على هذا النمط، موضحاً أنه تعرّض لحملة اتهامات بعد نشره مقالاً في صحيفة الجزيرة السعودية، تناول فيه – وفق توصيفه – مخططات سياسية إماراتية وإسرائيلية تستهدف السعودية والعالم العربي، مستنداً إلى دراسات أكاديمية وتقارير لوسائل إعلام دولية معروفة، مثل يورونيوز ونيويوركر.
ويؤكد أن مقاله لم يتضمن أي إشارة إلى اليهود أو الديانة اليهودية، بل كان تحليلاً سياسياً موثقاً. ومع ذلك، اتهمه الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد، في منشور على منصة “إكس”، بأن الإعلام السعودي يروّج “نظريات مؤامرة معادية لإسرائيل” ويستخدم “لغة معادية للسامية”، قبل أن تتبع ذلك، بحسب التويجري، مواقف لمنظمات صهيونية من بينها رابطة مكافحة التشهير (ADL)، تحدثت عن “تصاعد خطاب معادٍ للسامية” في النقاش العام السعودي.
ويعتبر التويجري أن هذه الحملة تمثل نموذجاً متكرراً من التضخيم وسوء التمثيل والخلط المتعمد بين النقد السياسي والكراهية الدينية، وتهدف – برأيه – إلى صرف الأنظار عن وقائع موثقة تتعلق بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
الفصل بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية
من منظور أكاديمي، يوضح التويجري أن معاداة السامية تُعرَّف بأنها العداء أو التمييز ضد اليهود بوصفهم جماعة دينية أو إثنية، وليس نقد أيديولوجيا سياسية أو سياسات دولة قومية. وبناءً على هذا التعريف المعتمد دولياً، فإن انتقاد الصهيونية أو سياسات إسرائيل لا يرقى تلقائياً إلى معاداة السامية، والخلط بين المفهومين يُعد – بحسب تعبيره – “غير أمين فكرياً”.
ويعزز التويجري طرحه باستعراض تاريخ طويل من النقد اليهودي ذاته للصهيونية، مشيراً إلى أن عدداً من كبار الحاخامات والمفكرين اليهود رأوا في الصهيونية انحرافاً عن جوهر اليهودية الأخلاقي والروحي. ويستحضر مواقف شخصيات مثل الحاخام شمشون رافائيل هيرش، والحاخام شالوم دوف بير شنيرسون، والحاخام يوسف روزين، الذين رفضوا تحويل اليهودية إلى مشروع قومي سياسي.
كما يشير إلى مفكرين يهود بارزين، من بينهم موشيه منوحين، ومارتن بوبر، وألبرت آينشتاين، ونوام تشومسكي، إضافة إلى مؤرخين معاصرين مثل إيلان بابِه وآفي شلايم ونورمان فنكلستين، ممن وثّقوا – كل من موقعه – سياسات إسرائيلية وصفوها بالتهجير المنهجي وبناء نظام فصل عنصري.
السعودية ومبادرات السلام
ويذهب التويجري إلى أن اتهام السعودية بمعاداة السامية يحمل مفارقة تاريخية، لافتاً إلى أن الجزيرة العربية هي موطن الشعوب السامية، وأن السعودية كانت من أبرز الداعمين لمبادرات السلام العربية، بدءاً من مبادرة الملك فهد، وصولاً إلى مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبد الله عام 2002، والتي أقرتها جميع الدول العربية.
ويذكّر بأن المبادرتين نصّتا على إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وحل عادل لقضية اللاجئين، وهي مواقف تقول القيادة السعودية إنها ما زالت ثابتة ومتسقة مع قرارات الأمم المتحدة.
كما يشير إلى أن التاريخ الإسلامي، وفق دراسات أكاديمية غربية، وفّر لليهود فترات ازدهار وحماية، لا سيما في الأندلس والعالم الإسلامي، مستشهداً بأبحاث لمؤرخين مثل مارك كوهين وماريا روزا مينوكال حول التعايش الإسلامي–اليهودي في العصور الوسطى.
ويخلص التويجري إلى أن توظيف تهمة معاداة السامية، في هذا السياق، لا يهدف إلى حماية اليهود، بل إلى تحصين إسرائيل من المساءلة والضغط السياسي، ومحاولة إرغام دول مثل السعودية على التخلي عن مواقفها المبدئية من القضية الفلسطينية.
وبحسب تحليله، فإن التجارب التاريخية تُظهر أن الأنظمة القائمة على الاحتلال والتمييز لا تدوم، وأن حملات الترهيب الإعلامي لا تغيّر هذه الحقيقة، مهما بلغت حدتها.















