كيف حول إبستين النخب الإماراتية إلى أدوات في يد إسرائيل؟

مع بدء وزارة العدل الأمريكية نشر دفعات جديدة من المواد المرتبطة بقضية جيفري إبستين، برز اسم الإمارات العربية المتحدة ضمن السياقات التي تناولتها الوثائق، وفق ما أورده موقع 21st Century Wire في تحقيق مطوّل.
ويشير التقرير إلى أن الأرشيف الذي يجري الكشف عنه – والمقدّر بملايين الصفحات من الرسائل الإلكترونية والمواد الرقمية – لا يقتصر على تفاصيل جنائية تتعلق بإبستين، بل يتضمن، بحسب قراءة الموقع، إشارات إلى شبكة علاقات تمتد إلى دوائر سياسية واقتصادية في أبوظبي ودبي، إضافة إلى ارتباطات بمشاريع بنية تحتية استراتيجية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ويؤكد التقرير أن ما نُشر حتى الآن يمثل جزءًا محدودًا من المواد، فيما لا تزال وثائق إضافية قيد المراجعة، ما يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من الكشف والتدقيق.
مراسلات هند العويس وإبستين
خصص التقرير جزءًا واسعًا لما قال إنها مراسلات بريد إلكتروني بين إبستين وهند العويس، وهي مسؤولة إماراتية شغلت مناصب بارزة في ملف حقوق الإنسان، بينها إدارة اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في الإمارات والعمل مستشارة لدى الأمم المتحدة منذ عام 2015.
وبحسب ما أورده الموقع، فإن المراسلات بدأت عام 2011، أي بعد عودة إبستين إلى الواجهة عقب خروجه من السجن في قضية سابقة. ويقول التقرير إن الرسائل المتبادلة تضمنت نقاشات مهنية وشخصية، من بينها إشارات إلى دعم مسيرتها المهنية، وتلميحات من إبستين إلى إمكانية ترشيحها مستقبلًا لمناصب وزارية، بينها وزارة الثقافة، مع تعبيره – بحسب النص المنشور – عن ثقته بعدم وجود منافسين لها.
كما أشار الموقع إلى رسالة مؤرخة في 26 يناير/كانون الثاني 2012، قال إنها تضمنت حديثًا عن تعريف شقيقتها بإبستين، وهو ما أثار جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة مع ورود عبارات أخرى في مراسلات مختلفة تتعلق بـ“إعداد فتاة” و“فتاتين”، وفق ما جاء في الوثائق المنشورة.
ويذكر التقرير أن النصوص المنشورة لا تتضمن تفاصيل صريحة حول وقائع جنائية أو أعمار محددة، إلا أن السياق – بحسب قراءة الموقع – أثار موجة انتقادات واسعة عبر الإنترنت، حيث اعتبر بعض المعلقين أن نمط التواصل ينسجم مع أساليب إبستين المعروفة في بناء شبكات نفوذ قائمة على العلاقات الشخصية الحساسة.
كما أورد الموقع أن صورًا متداولة على الإنترنت أظهرت العويس إلى جانب إبستين، معتبرًا أن هذا الظهور زاد من حدة الانتقادات، لا سيما في ضوء عملها في مجال حقوق الإنسان داخل دولة تتعرض لانتقادات متكررة بشأن نظام الكفالة وظروف العمالة الوافدة.
ولم يتضمن التقرير ردًا رسميًا منشورًا من العويس على ما ورد في الوثائق.
سلطان أحمد بن سليم ومراسلات مثيرة للجدل
وانتقل التقرير إلى الحديث عن سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية، وهي شركة لوجستية كبرى تدير عشرات الموانئ والمحطات البحرية حول العالم وتتحكم في نسبة معتبرة من حركة الحاويات الدولية.
وبحسب 21st Century Wire، فإن الوثائق تكشف عن آلاف الرسائل المتبادلة بين إبستين وبن سليم على مدى سنوات، تضمنت – وفق ما جاء في التقرير – مزاحًا فاحشًا، وتبادل مواد مصورة، ونقاشات حول قضايا سياسية واقتصادية.
وأشار التقرير إلى وثيقة قال إنها غير منقحة، تضمنت إشارة إلى تبادل فيديو تعذيب، زاعمًا أن بن سليم كان المُرسل. وربط الموقع بين هذه الإشارة وفضيحة تعود إلى عام 2009 تتعلق بفيديو تعذيب أثار جدلًا دوليًا داخل الإمارات.
كما أشار التقرير إلى مراسلات تتعلق بإهداء قطعة قماش مرتبطة بكسوة الكعبة المشرفة، وقال إن الرسائل أوضحت أن سيدة أعمال إماراتية رتبت عملية الشحن. واعتبر الموقع أن هذه الجزئية أثارت غضبًا واسعًا على الإنترنت، حيث وصفها معلقون بأنها مساس برمزية دينية.
وتحدث التقرير كذلك عن دور بن سليم في ربط إبستين بشخصيات دولية، من بينها – بحسب ما ورد – رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، إضافة إلى طرح أفكار استثمارية يُقال إنها نُقلت عبر إبستين إلى شخصيات في قطاع التكنولوجيا.
ولم يتضمن التقرير تعقيبًا رسميًا من بن سليم أو من شركة موانئ دبي العالمية.
أرض الصومال: استثمارات وممرات استراتيجية
وتناول التقرير بإسهاب ملف أرض الصومال، مشيرًا إلى أن الوثائق تضمنت مراسلات منذ عام 2012 تتعلق باهتمام دائرة إبستين الاستثمارية بمشاريع مياه وبنية تحتية في الإقليم، مع وصفه لاحتياطيات مياه “هائلة وغير مستغلة” قرب مدينة بربرة الساحلية.
وذكر الموقع أن موانئ دبي العالمية ضخت استثمارات كبيرة في ميناء بربرة، ضمن اتفاقيات أثارت جدلًا سياسيًا في الصومال، نظرًا لعدم الاعتراف الدولي بأرض الصومال كدولة مستقلة. وأشار إلى رسائل إلكترونية تضمنت نقاشات حول الاعتراف السياسي بالإقليم، مع مزاعم عن تباهٍ من إبستين بحصص أو نفوذ في منشآت موانئ مجاورة في جيبوتي.
كما أورد التقرير أن إبستين ناقش – وفق مراسلات منشورة – مشروعًا إعلاميًا مقترحًا لإنشاء استوديو في أرض الصومال لإنتاج محتوى موجه للأطفال، معتبرًا أن هذا الطرح جاء ضمن سياق أوسع لمشاريع “قوة ناعمة”.
مزاعم ارتباط بالاستخبارات الإسرائيلية
وتطرق التقرير إلى نظريات طرحها مسؤولون استخباراتيون سابقون وباحثون، من بينهم آري بن مناشيه، الذي قال إن إبستين وغيسلين ماكسويل ربما أدارا عمليات “فخ عسل” لصالح الموساد. وأكد الموقع أن هذه الروايات محل خلاف ولم تُدعّم بوثائق رسمية قاطعة، لكنه اعتبر أن بعض الأنماط الواردة في الوثائق تتقاطع – بحسب تحليله – مع تلك الفرضيات.
وربط التقرير بين هذه المزاعم وبين إعادة تموضع إسرائيل في منطقة البحر الأحمر، والتطبيع مع الإمارات عبر اتفاقيات أبراهام عام 2020، معتبرًا أن هذه الاتفاقيات قد تمثل – وفق طرحه – تتويجًا لعلاقات وتفاهمات سابقة غير معلنة.
كما أشار إلى إعلان إسرائيلي أواخر عام 2025 بشأن الاعتراف بأرض الصومال، واعتبره تطورًا استراتيجيًا في حوض البحر الأحمر، مع احتمالات لوجود دبلوماسي أو أمني مستقبلي.
تداعيات سياسية وإنسانية
ووفقًا للتقرير، فإن هذه الشبكة المزعومة – إذا صحت – تطرح تساؤلات حول تقاطع المصالح بين المال والبنية التحتية الاستراتيجية وأجهزة الاستخبارات. كما أشار إلى استمرار الجدل حول ظروف وفاة إبستين أثناء احتجازه، ومطالبات داخل الكونغرس الأمريكي بنشر وثائق غير منقحة تتضمن أسماء حُجبت حتى الآن.
وختم الموقع تقريره بالقول إن القضية، في نظر منتقدين، تجاوزت إطارها الجنائي، لتتحول إلى ملف يتقاطع فيه الاستثمار العابر للحدود، والسياسة الإقليمية، والبنية اللوجستية العالمية، وسط مطالبات بمزيد من الشفافية والمساءلة.















