هل تصمد دفاعات الخليج أمام سيل المسيرات والصواريخ الإيرانية؟

تكشف المواجهة العسكرية الأخيرة أن الفجوة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع باتت عنصرًا حاسمًا في معادلة الصراع. فبينما تعتمد إيران على صواريخ باليستية ومسيّرات منخفضة التكلفة نسبيًا، تجد دول الخليج نفسها مضطرة لاستخدام منظومات اعتراض باهظة الثمن للحفاظ على معدلات صدّ مرتفعة.

ردًا على الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وسّعت طهران نطاق عملياتها لتشمل إسرائيل وقواعد أمريكية، إضافة إلى منشآت نفطية وغازية في دول خليجية. بعض الهجمات حمل طابعًا عقابيًا ورسائل ردع سياسية، لكن استهداف البنية التحتية للطاقة وممرات الملاحة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، يعكس بعدًا اقتصاديًا واضحًا يهدف إلى الضغط على حلفاء واشنطن في المنطقة.

وحتى يوم الأحد، أطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الإمارات وقطر. وأعلنت أبوظبي اعتراض الغالبية الساحقة من المقذوفات بنسبة تجاوزت 90%، فيما سجّلت الدوحة معدل اعتراض أعلى من ذلك بقليل. ورغم هذا التفوق العملياتي، فإن الكلفة المالية تطرح سؤالًا استراتيجيًا: من يستطيع تحمّل الاستنزاف أطول؟

تقديرات خبراء الدفاع تشير إلى أن كلفة الصاروخ الباليستي الإيراني تتراوح بين مليون ومليوني دولار، فيما لا تتجاوز كلفة المسيّرة الانتحارية من طراز «شاهد» عشرات آلاف الدولارات. بالمقابل، تتطلب عملية الاعتراض استخدام صواريخ دفاعية متطورة يصل ثمن الواحد منها إلى ملايين الدولارات، ما يرفع فاتورة الدفاع إلى أضعاف ما ينفقه المهاجم.

هذا التفاوت دفع بعض المحللين إلى تشبيه المشهد بـ«استخدام سيارات فيراري لاعتراض دراجات كهربائية»؛ فجوهر الاستراتيجية الإيرانية يقوم على إنهاك الدفاعات عبر إغراقها بأهداف رخيصة نسبيًا، بما يفرض استنزافًا ماليًا ولوجستيًا مستمرًا على الطرف المدافع.

الظاهرة ليست جديدة. ففي الحرب الأوكرانية، استخدمت روسيا المسيّرات الإيرانية على نطاق واسع لإرهاق منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية، مستفيدة من سهولة إنتاجها وسرعة توفيرها مقارنة بالصواريخ الاعتراضية الغربية ذات سلاسل التوريد المعقدة.

التحدي الأكبر لا يقتصر على الكلفة، بل يمتد إلى المخزون وسرعة إعادة التزويد. تقارير صحفية أمريكية تحدثت عن سباق لتعويض مخزونات صواريخ «باتريوت» و«ستاندرد» و«ثاد»، في ظل وتيرة استهلاك مرتفعة خلال المواجهات الأخيرة. فالحروب عالية الكثافة تتطلب احتياطيات ضخمة وقدرات إنتاج سريعة، وهو عامل قد يحسم مسار أي مواجهة طويلة الأمد.

ما الذي تملكه دول الخليج دفاعيًا؟

تمتلك السعودية أكبر شبكة دفاع جوي في المنطقة، تشمل منظومات «ثاد» الأمريكية وبطاريات «باتريوت باك-3»، إضافة إلى أنظمة متوسطة وقصيرة المدى مثل «آي-هوك» و«كروتال» و«ميكا»، إلى جانب قدرات دفاع نقطي ومدافع مضادة للطائرات، فضلًا عن منظومات ليزر صينية من طراز «سايلنت هانتر» لمواجهة الأهداف الصغيرة منخفضة التحليق.

الإمارات تعتمد بدورها على «ثاد» و«باتريوت» ومنظومة «باراك» الإسرائيلية، إضافة إلى النظام الكوري الجنوبي «تشيونغونغ 2» للتعامل مع التهديدات المتوسطة، ومنظومات قصيرة المدى متنوعة.

قطر تعتمد على «باتريوت» و«ناسامز 3»، ووقّعت اتفاقًا لشراء «ثاد» دون وضوح كامل بشأن نشره الفعلي. الكويت والبحرين تشغّلان «باتريوت باك-3» مع منظومات قصيرة المدى مثل «ستينغر» و«إيغلا» و«ميسترال»، فيما تُعدّ عُمان الأقل امتلاكًا لقدرات بعيدة المدى، مع تركيز أكبر على الدفاعات القصيرة.

المعادلة المفتوحة

السؤال الجوهري لا يتعلق بقدرة الاعتراض اللحظية، إذ أثبتت دول الخليج فعالية عالية في هذا المجال، بل بمدى الاستدامة:
هل يمكن الحفاظ على معدلات اعتراض مرتفعة إذا استمرت الهجمات بوتيرة ثابتة؟
وهل تستطيع المصانع الأمريكية والغربية تعويض المخزونات بالسرعة الكافية؟

في حروب الاستنزاف، لا يُقاس التفوق بعدد الأهداف التي أُسقطت فقط، بل بقدرة كل طرف على مواصلة الإنفاق والإنتاج. وإذا نجحت إيران في تثبيت إيقاع هجمات منخفضة الكلفة وعالية الكثافة، فإن العبء المالي واللوجستي قد يتحول تدريجيًا إلى نقطة ضعف لدى الطرف المدافع، مهما بلغت كفاءة أنظمته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى