مصادر: صفقة سلاح باكستانية لحفتر بتمويل سعودي تكشف صراع النفوذ في ليبيا

كشفت مصادر غربية وعربية مطلعة عن تنفيذ صفقة أسلحة بين باكستان وقوات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، بتمويل مباشر من المملكة العربية السعودية، في خطوة تعكس تصاعد التنافس الإقليمي على النفوذ داخل الساحة الليبية.

وأكدت المصادر وفق ما أورد موقع ميدل إيست آي البريطاني، أن شحنات السلاح وصلت بالفعل إلى مدينة بنغازي خلال شهر مارس الماضي، ضمن ترتيبات جرى الاتفاق عليها مسبقًا بين الأطراف المعنية.

وأفادت المعلومات أن ما لا يقل عن خمس طائرات شحن عسكرية قادمة من باكستان قامت بتفريغ حمولتها في مطار بنغازي، وسط غياب إعلان رسمي عن نوعية الأسلحة التي تم تسليمها.

وأكد مسؤول مطلع على العملية أن الشحنات تمت بالفعل، فيما أشار مصدر آخر إلى أن تفاصيل الأسلحة لا تزال غير معلنة، في ظل حساسية الملف وتعارضه مع حظر السلاح المفروض على ليبيا من قبل الأمم المتحدة .

وتأتي هذه الشحنات في سياق صفقة أوسع كانت قد أشارت إليها تقارير سابقة، والتي تبلغ قيمتها نحو 4 مليارات دولار، وتُعد من أكبر صفقات السلاح في تاريخ ليبيا الحديث.

وجرى التمهيد لهذه الصفقة خلال زيارة قام بها قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى بنغازي في ديسمبر الماضي، قبل أن تتبعها زيارة حفتر إلى إسلام آباد مطلع فبراير، حيث التقى برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ومسؤولين عسكريين كبار.

وتشير التقديرات إلى أن السعودية لعبت دورًا محوريًا في تسهيل هذه الصفقة وتمويلها، في إطار مسعى لتعزيز نفوذها داخل شرق ليبيا، وإعادة رسم موازين القوى بعيدًا عن الهيمنة الإماراتية التي استمرت لسنوات في دعم حفتر.

وقال مسؤول عربي إن الهدف من الصفقة هو “إبعاد حفتر عن الإمارات” عبر تقديم دعم مالي وعسكري مباشر يعزز ارتباطه بالرياض .

وتعكس هذه التحركات تحولًا في طبيعة العلاقة بين السعودية والإمارات، اللتين كانتا حليفتين رئيسيتين في ملفات إقليمية عدة، من بينها الحرب في اليمن ودعم حفتر خلال هجومه على طرابلس عام 2019.

غير أن الخلافات بين البلدين تصاعدت في الفترة الأخيرة، خاصة على خلفية الحرب في السودان، حيث دعمت الإمارات قوات الدعم السريع، بينما اتخذت السعودية موقفًا مختلفًا وسعت إلى تقليص نفوذ تلك القوات.

ويرتبط الدعم السعودي لحفتر أيضًا بمحاولة وقف تدفق الأسلحة عبر جنوب شرق ليبيا إلى السودان، حيث تشير مصادر إلى أن الرياض تسعى لاستخدام نفوذ حفتر للحد من إمدادات السلاح التي تصل إلى قوات الدعم السريع.

ويأتي ذلك ضمن استراتيجية أوسع لإعادة ضبط التوازنات الأمنية في المنطقة، بما يخدم المصالح السعودية ويحد من تأثير خصومها.

في المقابل، تبدي بعض المصادر الليبية شكوكًا بشأن قدرة السعودية على انتزاع حفتر من دائرة النفوذ الإماراتي بشكل كامل، مشيرة إلى أن عائلة حفتر لا تزال تمتلك استثمارات وأصولًا كبيرة في الإمارات، ما يجعل العلاقة بين الطرفين متشابكة ومعقدة.

ويعزز ذلك احتمال استمرار التنافس بين الرياض وأبوظبي على التأثير في قرارات القيادة العسكرية في شرق ليبيا.

وتتزامن هذه التطورات مع تحركات سياسية تهدف إلى توحيد المؤسسات العسكرية في ليبيا، حيث تدعم السعودية جهود دمج قوات حفتر مع القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس بقيادة عبد الحميد الدبيبة.

وقد شهدت الفترة الأخيرة تدريبات مشتركة بين الطرفين ضمن مناورات عسكرية برعاية أمريكية، إضافة إلى تشكيل لجنة عسكرية مشتركة لبحث آليات التعاون.

ويرى مسؤولون غربيون أن الدعم السعودي لحفتر قد يكون جزءًا من محاولة “شراء تعاونه” في هذه العملية، من خلال تقديم حوافز عسكرية واقتصادية تدفعه نحو الانخراط في مشروع توحيد الجيش الليبي.

غير أن هذا المسار يصطدم بتعقيدات داخلية وإقليمية، في ظل تضارب مصالح الأطراف الخارجية المنخرطة في الملف الليبي.

وتأتي هذه التحركات أيضًا في سياق أوسع من التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث تسعى القوى الإقليمية إلى إعادة تموضعها وتحقيق مكاسب استراتيجية في مناطق النفوذ المختلفة.

وقد أدى هذا السياق إلى تعميق الخلافات بين السعودية والإمارات بدلًا من تقليصها، رغم التوقعات السابقة بإمكانية تقاربهما.

وتعكس صفقة السلاح بين باكستان وحفتر بتمويل سعودي تحولًا في طبيعة الصراع على ليبيا، من دعم سياسي وعسكري غير مباشر إلى تدخلات أكثر وضوحًا وتنظيمًا.

كما تبرز الدور المتزايد لباكستان كمورد للسلاح في المنطقة، في ظل تراجع بعض الصفقات الأخرى، مثل الصفقة التي كانت مقررة مع السودان قبل أن يتم إلغاؤها بسبب سحب التمويل السعودي.

وتؤكد المعطيات أن ليبيا لا تزال ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي، حيث تتقاطع مصالح عدة أطراف تسعى إلى توسيع نفوذها عبر أدوات مختلفة، من بينها صفقات السلاح والتحالفات السياسية. وفي ظل استمرار الانقسام الداخلي وغياب حل سياسي شامل، يبقى هذا التنافس عاملًا رئيسيًا في إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات التسوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى