النساء المحجبات في فرنسا يواجهن قيودًا متزايدة في سوق العمل

تواجه النساء المسلمات المحجبات في فرنسا عقبات متزايدة داخل سوق العمل وعدد من القطاعات المهنية، وسط جدل متصاعد بشأن تطبيق مبادئ العلمانية وحدودها، في وقت تقول منظمات حقوقية وخبراء قانونيون إن القيود المفروضة على ارتداء الحجاب تحولت إلى عائق أمام المسارات المهنية لكثير من النساء.

ومن المدارس إلى المستشفيات والمحاكم والمؤسسات الخاصة، تتكرر شهادات نساء مسلمات تحدثن عن فقدان فرص عمل أو التعرض لإجراءات إدارية بسبب ارتداء الحجاب أو أغطية رأس اعتُبرت مرتبطة بالتعبير الديني، بينما يؤكد المدافعون عن هذه القيود أنها تأتي في إطار حماية مبدأ الحياد داخل المؤسسات.

وقال سليم بن عاشور، المحامي في محكمة الاستئناف في باريس والمتخصص في قضايا المساواة ومكافحة التمييز، إن النساء المسلمات الحاصلات على مستويات تعليمية عالية أصبحن أكثر عرضة للاستهداف بسبب ظهورهن بشكل أكبر في المجال العام.

وأضاف أن عددا من النساء المسلمات، بمن فيهن عاملات في مجالات القانون والصحة والتعليم، واجهن عراقيل مهنية بسبب الحجاب، معتبرًا أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالمظهر وإنما بالقدرة على الوصول إلى فرص العمل.

ومن بين الحالات التي أثارت نقاشًا واسعًا قضية المحامية يسرا مرزوق، التي تعرضت لانتقادات وهجمات عبر الإنترنت بعد ظهورها في مقابلة تلفزيونية عام 2025 وهي ترتدي الحجاب.

وقدمت مرزوق شكوى قانونية قالت فيها إنها تعرضت للإهانة والتحريض على التمييز، معتبرة أن بعض المنتقدين استخدموا مفهوم العلمانية بطريقة تستهدف حضور النساء المسلمات في المجال العام.

وقال نيكولا كادين، الخبير القانوني والمقرر العام السابق لمرصد العلمانية في فرنسا، إن استهداف محامية بسبب ظهورها بالحجاب خارج قاعة المحكمة يعكس إشكالية أوسع، مشيرًا إلى أن الهجمات في مثل هذه الحالات لا ترتبط بالأداء المهني وإنما بالمظهر الشخصي.

وتشهد مهنة المحاماة بدورها جدلًا بشأن ارتداء الرموز الدينية داخل المحاكم، إذ أيد مجلس الدولة الفرنسي في مارس/آذار 2025 قواعد تمنع المحامين من ارتداء علامات مميزة إلى جانب الزي الرسمي داخل قاعات المحاكم، استنادًا إلى مبدأ المساواة والحياد.

وأدت هذه القرارات إلى انتقادات من محاميات مسلمات اعتبرن أنها تحد من قدرتهن على ممارسة المهنة، بينما تقول الجهات المؤيدة لها إن الهدف هو الحفاظ على صورة القضاء باعتباره مؤسسة محايدة.

ولا يقتصر الجدل على المجال القانوني، إذ تمتد القضية إلى قطاع التعليم والصحة، حيث تمنع قواعد الخدمة المدنية الفرنسية الموظفين العموميين من إظهار رموز دينية أثناء العمل.

وتقول منتقدات هذه السياسات إن التطبيق العملي للقوانين أدى إلى إقصاء بعض النساء المسلمات من وظائفهن، خاصة عندما يتم اعتبار بعض أنواع أغطية الرأس بديلًا للحجاب حتى إن كانت جزءًا من الملابس المهنية.

وفي قطاع الصحة، أثارت حالات تتعلق بممرضات ارتدين قبعات طبية جدلًا واسعًا بعد اعتبارها في بعض الحالات رمزًا دينيًا. وأعادت إحدى المحاكم الإدارية ممرضة إلى عملها بعدما رأت أن العقوبة التي تعرضت لها كانت غير متناسبة.

كما يمتد النقاش إلى القطاع الخاص، حيث يسمح القانون الفرنسي للشركات بوضع قواعد داخلية تتعلق بالحياد، بما قد يشمل فرض قيود على ارتداء الرموز الدينية في ظروف معينة.

وقد توسعت هذه القواعد بشكل جعل النساء المحجبات أكثر عرضة لصعوبات في التوظيف والترقية المهنية، بينما ترى أطراف أخرى أنها ضرورية لضمان حياد بيئة العمل.

وأظهرت تقارير حقوقية فرنسية خلال السنوات الأخيرة أن المسلمين أو الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم مسلمون يبلغون عن مستويات أعلى من التعرض للتمييز، خاصة عند البحث عن فرص العمل.

ويقول خبراء إن النقاش الفرنسي حول الحجاب يبقى من أكثر النقاشات حساسية في أوروبا بسبب ارتباطه بتاريخ البلاد مع مفهوم العلمانية، والهجرة، والهوية الوطنية، والموروث السياسي والاجتماعي.

ومع استمرار طرح مقترحات سياسية لتوسيع القيود على الحجاب في الجامعات والرياضة وبعض الفضاءات العامة، يرى حقوقيون أن القضية ستبقى محور مواجهة بين رؤيتين: الأولى تعتبر الحظر حماية للعلمانية، والثانية تراه تمييزًا يستهدف النساء المسلمات ويحد من مشاركتهن في الحياة العامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى