حصار الدعم السريع مدينة الأبيض ينذر بكارثة جديدة في السودان

تواجه مدينة الأبيض السودانية، الخاضعة لسيطرة الجيش في ولاية شمال كردفان، أزمة إنسانية متفاقمة مع تشديد قوات الدعم السريع حصارها للمدينة، وسط نقص في مياه الشرب وارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية والمستلزمات الأساسية.
وقال سكان إن قوات الدعم السريع كثفت خلال الأسابيع الأخيرة عملياتها حول المدينة الاستراتيجية، وفرضت حصاراً عليها من ثلاثة اتجاهات، في تحركات أثارت مخاوف واسعة من تكرار السيناريو الذي سبق سقوط مدينة الفاشر في دارفور.
وتخضع الأبيض لحصار جزئي منذ أكثر من عامين ضمن الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ عام 2023، إلا أن الأسابيع الأخيرة شهدت تصعيداً واضحاً مع تعزيز القوات شبه العسكرية مواقعها على أطراف المدينة ومحاولة قطع خطوط الإمداد.
وتسعى قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” إلى إحكام الضغط على المدينة التي تعد واحدة من أبرز المواقع العسكرية والتجارية في وسط السودان، وتضم مقر الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش.
وأظهرت مقاطع مصورة متداولة على الإنترنت أرتالاً من المركبات القتالية التابعة لقوات الدعم السريع وهي تتحرك باتجاه محيط الأبيض، فيما ظهر مقاتلون يحذرون السكان من الاقتراب من المنشآت العسكرية.
وبحسب تقرير للأمم المتحدة، تعرضت مواقع عدة في منطقة الأبيض لهجمات بطائرات مسيرة خلال الأيام الأخيرة، شملت محطة لتوليد الطاقة ومنشأة وقود، ما أدى إلى تدهور إضافي في الخدمات الأساسية.
وقال أحد سكان المدينة إن الضغط العسكري المتزايد انعكس مباشرة على حياة المدنيين، خاصة بعد استهداف محطات الوقود والطاقة وطرق الإمداد.
وأضاف: “هذا هو نفس أسلوب التجويع الذي استخدمته قوات الدعم السريع في الفاشر، والذي سهّل في النهاية السيطرة عليها”.
وتصاعدت المخاوف من تكرار تجربة الفاشر، آخر معاقل الجيش في دارفور، والتي سقطت العام الماضي بعد حصار طويل أعقبته اتهامات لقوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق.
وقال سكان إن الأبيض تعاني حالياً من نقص حاد في مياه الشرب، بينما ارتفعت أسعار معظم السلع بشكل كبير نتيجة تعطل الإمدادات واستمرار الهجمات.
وذكر أحد السكان: “هناك نقص كبير في المياه، وأسعار كل شيء ارتفعت بصورة جنونية بسبب الاستهداف اليومي للخدمات، لكن المستشفيات ما زالت تعمل والأسواق لا تزال تحتوي على بعض السلع رغم ارتفاع أسعارها”.
وكانت المدينة، التي يقدر عدد سكانها بنحو نصف مليون نسمة، قد غرقت في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية، كما تسببت الهجمات في انقطاع المياه عن آلاف المنازل وتعطل بعض الخدمات الصحية.
وتكتسب الأبيض أهمية استراتيجية كبيرة، إذ تقع على بعد نحو 400 كيلومتر جنوب غرب العاصمة الخرطوم، وتشكل مركزاً تجارياً وعسكرياً رئيسياً، إضافة إلى وجود قوات وميليشيات متحالفة مع الجيش داخلها.
ويرى مراقبون أن خسارة المدينة ستمثل ضربة كبيرة للجيش السوداني، خاصة بعد فقدانه السيطرة على دارفور بالكامل لصالح قوات الدعم السريع.
كما قد يمنح سقوط الأبيض قوات الدعم السريع موقعاً أكثر تقدماً باتجاه الخرطوم، التي تمكن الجيش من استعادة السيطرة عليها بعد نحو عامين من وجود قوات الدعم السريع داخلها.
وتأتي معركة الأبيض ضمن تصعيد أوسع في إقليم كردفان، حيث تسيطر قوات الدعم السريع وحلفاؤها على مساحات واسعة، إضافة إلى مناطق أخرى جنوب البلاد.
وأثارت التطورات الأخيرة قلقاً دولياً متزايداً، إذ حذرت دول عدة بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من احتمال وقوع موجة جديدة من الانتهاكات إذا توسع الهجوم على المدينة.
وقال مبعوث النرويج لدى الأمم المتحدة تورمود إندريسن إن المجتمع الدولي يشعر بقلق بالغ من خطر تصعيد وشيك قد يضع نحو 500 ألف مدني، بينهم أكثر من 100 ألف نازح، أمام تهديد الانتهاكات الواسعة.
كما أعربت الولايات المتحدة عن قلقها من تقارير تتحدث عن حشد قوات الدعم السريع حول الأبيض، معتبرة أن ذلك قد يمهد لهجوم واسع.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، قتل عشرات الآلاف ونزح نحو 14 مليون شخص، فيما تصف الأمم المتحدة الأزمة بأنها من بين الأسوأ عالمياً، مع وجود نحو 25 مليون شخص يواجهون خطر الجوع.















