لبنان يفتح أبوابه لاستقطاب الاستثمارات الإماراتية لإنعاش اقتصاده المتعثر

يسعى لبنان إلى استقطاب الاستثمارات الإماراتية ضمن جهود حكومية لإعادة تنشيط الاقتصاد وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، مستفيداً من التحسن المتسارع في العلاقات بين بيروت وأبوظبي، في وقت تؤكد فيه السلطات اللبنانية العمل على تنفيذ إصلاحات وتوفير ضمانات أمنية وتشريعية قادرة على طمأنة المستثمرين.

وقال سفير لبنان لدى الإمارات طارق منيمينه إن هناك رغبة لدى مستثمرين إماراتيين في دخول السوق اللبنانية، مشيراً إلى وجود مناقشات جارية بالفعل بشأن فرص استثمارية محتملة، وسط توقعات بتوسع هذه المحادثات خلال المرحلة المقبلة.

وأكد منيمينه أن المستثمرين الإماراتيين من القطاعين العام والخاص “مرحب بهم أكثر من أي وقت مضى”، مشدداً على وجود زخم متزايد في العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وأوضح أن السلطات اللبنانية تدرك حاجة المستثمرين إلى ضمانات ومؤسسات قوية وأطر قانونية وتنظيمية واضحة قبل ضخ رؤوس الأموال في البلاد، مؤكداً أن الحكومة تعمل على تهيئة الظروف المناسبة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية.

وأشار السفير اللبناني إلى الموانئ والمطارات والحوكمة الرقمية باعتبارها قطاعات رئيسية يمكن أن تستفيد من الخبرات والاستثمارات الإماراتية، إلى جانب قطاعات اقتصادية أخرى تمتلك فرصاً كبيرة للنمو.

وقال إن رجال الأعمال الإماراتيين، ومن بينهم محمد العبار وخلف الحبتور، “مرحب بهم أكثر من أي وقت مضى” في لبنان، معتبراً أن السوق اللبنانية لا تزال توفر فرصاً استثمارية واسعة وأن العديد من القطاعات تمثل أرضاً شبه بكر أمام المستثمرين.

وكان الحبتور قد أعرب سابقاً عن مخاوف بشأن الأوضاع الأمنية والفساد في لبنان، وألغى خلال العام الجاري استثمارات كان يخطط لتنفيذها في البلاد، بعد إعلانه سابقاً عن مشروع استثماري ضخم، مرجعاً قراره إلى غياب الأمن والاستقرار وعدم وجود مؤشرات كافية على تحسن الأوضاع في المستقبل القريب.

وتأتي التحركات اللبنانية لاستعادة ثقة المستثمرين الإماراتيين بعد أيام من سماح أبوظبي لمواطنيها مجدداً بالسفر إلى لبنان، عقب حظر مؤقت فرضته بسبب الحرب الإيرانية والمخاوف الأمنية المرتبطة بتداعيات الصراع الإقليمي ونفوذ طهران.

وشهدت العلاقات بين البلدين دفعة جديدة عقب توقيع اتفاقية إطارية ثلاثية بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل، تهدف إلى تمهيد الطريق أمام ترتيبات أمنية وسياسية جديدة واستعادة الدولة اللبنانية سيطرتها الكاملة على أراضيها.

ورحبت الإمارات بالاتفاق، ووصفته بأنه خطوة إيجابية للمنطقة، فيما أجرى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد ووزير الخارجية الشيخ عبد الله بن زايد محادثات منفصلة مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، أكدا خلالها دعم أبوظبي للبنان.

وقال منيمينه إن الرسالة التي نقلتها القيادة الإماراتية إلى المسؤولين اللبنانيين تتمثل في أن الإمارات تقف إلى جانب لبنان، إضافة إلى توجيه “رسالة ثقة” بشأن مستقبل العلاقات بين البلدين.

وكانت الإمارات قد فرضت حظراً على سفر مواطنيها إلى لبنان بين عامي 2021 و2025، قبل رفعه في مايو من العام الماضي عقب زيارة الرئيس عون إلى أبوظبي.

وبحسب مسؤولين في قطاع السياحة اللبناني، زار نحو 25 ألف مواطن إماراتي لبنان قبل فرض حظر السفر الأخير، وكان السياح الإماراتيون من أبرز مجموعات الزوار الخليجيين وأكثرها مساهمة في قطاع السياحة.

لكن استمرار المخاوف الأمنية وتأخر رفع قيود السفر والحجوزات الكاملة على الرحلات الجوية قد يحد من أعداد الزوار الإماراتيين خلال الموسم السياحي الحالي، وسط توقعات بوصول نحو 10 آلاف زائر إماراتي بحلول نهاية الصيف.

وتأتي مساعي جذب الاستثمارات الخليجية بعد سنوات من التوتر بين لبنان ودول الخليج بسبب النفوذ الإيراني ودور حزب الله في الحياة السياسية والأمنية اللبنانية.

ومنذ توليهما منصبيهما مطلع عام 2025، وضع الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام استعادة العلاقات مع دول الخليج وجذب الاستثمارات العربية ضمن أولويات السياسة الخارجية والاقتصادية للحكومة.

وبموجب الإطار الثلاثي المقترح، ستقدم الولايات المتحدة دعماً للجيش اللبناني لتمكينه من فرض السيطرة الأمنية الكاملة على البلاد ونزع سلاح جميع الجهات المسلحة غير التابعة للدولة، مقابل إعادة انتشار إسرائيلية تدريجية ومشروطة من الأراضي اللبنانية بعد تنفيذ عملية نزع سلاح متفق عليها وقابلة للتحقق.

وأكدت الإمارات دعمها للجهود الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتفكيك المنظمات التي تصنفها إرهابية، في إطار مساعي تعزيز سيادة المؤسسات الرسمية وتحقيق الاستقرار الأمني.

وفي الجانب الاقتصادي، يعول لبنان على إنشاء مجلس الأعمال الإماراتي اللبناني لدفع الاستثمارات وتعزيز العلاقات بين القطاع الخاص في البلدين.

وقال منيمينه إن الجانب اللبناني عيّن بالفعل أعضاءه في المجلس، فيما تعمل الإمارات على اختيار ممثليها، متوقعاً أن يلعب المجلس دوراً مهماً في تحديد الفرص الاستثمارية وإعداد القطاع الخاص وتشجيع المستثمرين الإماراتيين على دخول السوق اللبنانية.

ويواجه لبنان تحديات كبيرة في استعادة ثقة المستثمرين، في ظل استمرار تداعيات الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، وعدم التوصل إلى حلول شاملة للأزمة المصرفية، إضافة إلى الدمار وعدم الاستقرار الناجمين عن سنوات من الصراع.

وتراهن الحكومة اللبنانية على تحسن البيئة الأمنية وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية وإعادة بناء العلاقات مع دول الخليج لفتح الباب أمام تدفقات جديدة من الاستثمارات.

وتشكل رؤوس الأموال الإماراتية أحد أبرز أهداف هذه الاستراتيجية، بالنظر إلى القدرات الاستثمارية الكبيرة للشركات والصناديق السيادية الإماراتية وخبراتها في قطاعات البنية التحتية والموانئ والمطارات والعقارات والتحول الرقمي.

غير أن نجاح لبنان في جذب هذه الاستثمارات سيظل مرتبطاً بقدرته على توفير الاستقرار السياسي والأمني، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية، وإقامة مؤسسات قادرة على حماية رؤوس الأموال وتوفير الضمانات التي يطالب بها المستثمرون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى