واشنطن بوست: اتفاقيات إبراهيم تواجه اختبارًا صعبًا في الإمارات وسط تراجع الحضور اليهودي العلني

قالت صحيفة واشنطن بوست إن اتفاقيات إبراهيم، التي وقعتها الإمارات وإسرائيل عام 2020 برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تمر بمرحلة وصفتها بأنها الأكثر حساسية منذ توقيعها، في ظل تراجع الظهور العلني للمجتمع اليهودي داخل الإمارات، وتصاعد التحديات التي فرضتها الحرب في غزة ثم المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران.
وأشارت الصحيفة إلى أن المجتمع اليهودي في الإمارات شهد توسعًا ملحوظًا عقب توقيع الاتفاقيات، حيث افتتحت مطاعم تقدم الطعام اليهودي “الكوشير”، وأقيمت احتفالات علنية بالأعياد اليهودية، كما افتتحت الإمارات أول كنيس يهودي عام ضمن “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي.
لكن، وبعد ست سنوات من توقيع الاتفاقيات، قالت الصحيفة إن هذا المشهد تغير بصورة كبيرة، إذ عادت المناسبات الدينية اليهودية إلى نطاق محدود، فيما أُغلق الكنيس الموجود في بيت العائلة الإبراهيمية منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وسط مخاوف أمنية متزايدة داخل الجالية اليهودية.
وأضافت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواصل الدفع نحو توسيع اتفاقيات إبراهيم، ويعتبر انضمام السعودية إليها شرطًا أساسيًا في إطار أي اتفاق يسمح للمملكة بتطوير برنامج نووي مدني، إلا أن التجربة الإماراتية، بحسب الصحيفة، أظهرت نتائج أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا عند توقيع الاتفاق.
ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وإيران أدت إلى تصاعد الغضب الشعبي من إسرائيل داخل الإمارات، كما انعكس ذلك على مواقف بعض المسؤولين، وهو ما جعل الاتفاقيات تواجه تحديات سياسية ومجتمعية لم تكن مطروحة عند إطلاقها.
وفي المقابل، أوضحت الصحيفة أن الحكومة الإماراتية ما زالت تؤكد تمسكها باتفاقيات إبراهيم، معتبرة أنها أسهمت في تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والدفاعية مع إسرائيل، مشيرة إلى أن التعاون الأمني بين البلدين تعزز خلال الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت الإمارات.
ورأت الصحيفة أن مستقبل الاتفاقيات أصبح مرتبطًا أيضًا بتداعيات قرار إدارة ترامب خوض الحرب ضد إيران، معتبرة أن هذا التطور وضع أحد أبرز إنجازات الرئيس الأمريكي في الشرق الأوسط أمام اختبار حقيقي، في وقت تواجه فيه جهوده لتوسيع الاتفاقيات تشكيكًا متزايدًا في المنطقة.
وأضافت أن فرص انضمام دول عربية جديدة إلى الاتفاقيات تبدو محدودة في المرحلة الحالية، حتى في نظر شخصيات إماراتية تؤيد التطبيع، بسبب ما وصفته بالإرث المعقد الذي خلفته الحرب على غزة وتداعياتها داخل العالم العربي.
ونقلت الصحيفة عن أستاذ العلوم السياسية الإماراتي عبدالخالق عبدالله قوله إن السياسات الإسرائيلية، ولا سيما في عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، جعلت الدفاع عن اتفاقيات إبراهيم أكثر صعوبة، مشيرًا إلى أن العلاقات تواجه تحديات متزايدة.
وفي الوقت نفسه، لفت عبدالله إلى أن إرسال إسرائيل منظومات وتقنيات مرتبطة بمنظومة “القبة الحديدية” إلى الإمارات خلال الأسابيع الأولى من الحرب شكّل، بحسب رأيه، نقطة تحول في النظرة إلى الاتفاقيات، معتبرًا أن الدعم الدفاعي الإسرائيلي عزز أهمية استمرار التعاون الأمني بين الجانبين.
من جانبه، قال السفير الإسرائيلي لدى الإمارات يوسي أفراهام شيلي، في تصريحات نقلتها الصحيفة، إن اتفاقيات إبراهيم واجهت تحديات منذ اندلاع الحرب في غزة، لكنه رأى أن التطورات الأخيرة أثبتت أهمية التعاون الدفاعي بين البلدين، مؤكداً أن إسرائيل والولايات المتحدة قدمتا للإمارات الدعم الذي احتاجته خلال الهجمات الأخيرة.
وأضاف السفير أن التعاون الأمني مستمر، مشيرًا إلى استعداد إسرائيل لتقديم ما تحتاجه الإمارات من معلومات وخبرات في المجالات الدفاعية، دون الخوض في تفاصيل التكنولوجيا التي جرى تزويدها بها.
واستعرضت الصحيفة الخلفية السياسية لاتفاقيات إبراهيم، مشيرة إلى أنها مثلت تحولًا في السياسة العربية التقليدية التي كانت تربط إقامة علاقات مع إسرائيل بقيام دولة فلسطينية، موضحة أن الإمارات والبحرين والسودان والمغرب انضمت إلى الاتفاقيات عام 2020، بينما انضمت كازاخستان لاحقًا بصورة رمزية.
وأشارت إلى أن الاتفاقيات اعتُبرت أحد أبرز إنجازات ترامب في السياسة الخارجية، لكنها بقيت محل جدل داخل أجزاء واسعة من العالم العربي، كما سبق أن ربطت الصحيفة في تقارير سابقة بين شعور الفلسطينيين بالعزلة بعد الاتفاقيات وبين المناخ الذي سبق هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
كما نقلت الصحيفة عن المسؤول الإماراتي السابق ناصر حسن الشيخ قوله إن التطبيع مع إسرائيل كان يمثل آنذاك محاولة لتجربة مقاربة جديدة بعد سنوات من الجمود، معتبرًا أن النهج السابق لم يحقق النتائج المرجوة.
وفي المقابل، قالت الباحثة مونيكا ماركس، الأستاذة بجامعة نيويورك أبوظبي، إن توقيع الاتفاقيات صاحبه في البداية شعور واسع بالتفاؤل، تجسد في برامج تبادل طلابي واحتفالات علنية ولافتات دعائية تشجع على زيارة إسرائيل، إلا أن هذا الزخم بدأ يتراجع منذ أحداث حي الشيخ جراح عام 2021، ثم تسارع بصورة أكبر مع اندلاع الحرب على غزة.
وأضافت ماركس، بحسب الصحيفة، أن الإمارات “غامرت كثيرًا” بتوقيع الاتفاقيات، لكنها لم تحقق نفوذًا دبلوماسيًا يوازي حجم تلك الخطوة، معتبرة أن الاتفاقيات باتت تُنظر إليها لدى كثيرين باعتبارها تجربة تحمل دروسًا أكثر من كونها نموذجًا قابلًا للتكرار.
وفي السياق ذاته، شدد ناصر حسن الشيخ على أهمية الدعم الدفاعي الإسرائيلي للإمارات خلال الحرب، معتبرًا أن المبادرة بتقديم المساعدة العسكرية دون طلب رسمي كان لها أثر كبير في تعزيز الثقة بين الجانبين.
كما نقلت الصحيفة عن المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش قوله، خلال فعالية نظمها مجلس العلاقات الخارجية في مارس الماضي، إن الهجمات الإيرانية على دول الخليج قد تؤدي إلى توسيع الدور الإسرائيلي في المنطقة وتعزيز العلاقات بين إسرائيل والدول التي تقيم معها علاقات دبلوماسية.
وفي الجانب المجتمعي، قالت الصحيفة إن أفرادًا من الجالية اليهودية في الإمارات عادوا إلى ممارسة شعائرهم بعيدًا عن الأنظار، وأصبحت إقامة الصلوات في الفنادق، التي كانت شائعة في السابق، تُعد مخاطرة أمنية، بينما ظل بيت العائلة الإبراهيمية مغلقًا منذ أواخر فبراير.
وأضافت أن عددًا من أفراد الجالية اليهودية رفضوا الإدلاء بتصريحات علنية بسبب مخاوف تتعلق بسلامتهم، فيما أقر السفير الإسرائيلي بأن الأجواء تغيرت كثيرًا منذ هجوم السابع من أكتوبر، رغم الجهود التي تبذلها القيادة الإماراتية لضمان شعور اليهود بالأمان.
كما نقلت الصحيفة عن مارك جوناثان سيفرز، المدير السابق للجنة اليهودية الأمريكية في أبوظبي، قوله إن أفراد الجالية يشعرون بالإحباط بسبب تطورات الحرب في غزة، كما تأثروا بمقتل الحاخام تسفي كوغان في الإمارات عام 2024، وهي القضية التي انتهت بإصدار أحكام بالإعدام بحق ثلاثة متهمين.
واختتمت الصحيفة بالإشارة إلى أن كثيرًا من اليهود المقيمين في الإمارات ما زالوا يعتبرونها أكثر أمنًا من أماكن أخرى، بما في ذلك بعض المناطق في الولايات المتحدة، إلا أن سيفرز استبعد حدوث توسع جديد في اتفاقيات إبراهيم خلال المستقبل القريب، معتبرًا أن هذا الاحتمال أصبح، في الوقت الراهن، أقرب إلى طموح سياسي منه إلى مشروع قابل للتحقق.















