تحذيرات من رفع جديد للفائدة الأمريكية إذا بقي التضخم مرتفعاً

تتجه السياسة النقدية الأمريكية إلى مرحلة أكثر تشدداً، بعدما أظهر محضر الاجتماع الأخير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي أن عدداً من المسؤولين باتوا يرون أن رفع أسعار الفائدة قد يصبح ضرورياً إذا فشل التضخم في مواصلة التراجع، وسط مخاوف من أن يؤدي التأخر في التحرك إلى إجراءات أكثر قسوة وكلفة في المستقبل.

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المنعقد في أواخر يوليو، رغم معارضة ثلاثة مسؤولين كانوا يؤيدون رفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وكشف محضر الاجتماع أن الانقسام لم يكن محدوداً بالمعارضين الثلاثة، إذ رأى عدد من المشاركين أن تشديد السياسة النقدية سيكون ضرورياً على الأرجح إذا استمر التضخم فوق المستوى المستهدف.

ويخشى عدد من صانعي السياسة النقدية أن تكون أسعار الفائدة الحالية غير كافية لكبح النشاط الاقتصادي وخفض ضغوط الأسعار بصورة مستدامة، فيما حذر مؤيدو الرفع من أن تأجيل اتخاذ إجراءات إضافية قد يفرض لاحقاً سلسلة أكثر حدة وكلفة من خطوات التشديد النقدي.

وتأتي هذه المخاوف رغم تسجيل بيانات التضخم الأخيرة مؤشرات إيجابية، بعدما ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 0.1% فقط خلال يوليو، في ثاني شهر على التوالي تظهر فيه ضغوط الأسعار قدراً من التراجع.

وساهم الانخفاض المؤقت في أسعار الطاقة خلال فترة الهدوء في الحرب الإيرانية في تخفيف الضغوط التضخمية، إلا أن تجدد القتال لاحقاً وارتفاع أسعار الغاز أعادا المخاوف من عودة التضخم إلى الارتفاع خلال أغسطس.

ويتمسك الاحتياطي الفيدرالي بهدف تضخم يبلغ 2%، وهو مستوى ظل التضخم أعلى منه لسنوات، الأمر الذي دفع عدداً من المسؤولين إلى التشكيك في قدرة التراجع الأخير على التحول إلى مسار مستدام.

وأظهرت مناقشات الاجتماع قلقاً من أن تكون ضغوط الأسعار قد أصبحت أوسع نطاقاً من مجرد آثار مؤقتة مرتبطة بالتعريفات أو الحرب.

وتزايدت المخاوف بصورة خاصة من احتمال تحول موجة التضخم المرتفع إلى حالة ذاتية التعزيز، إذ يمكن أن تدفع توقعات استمرار ارتفاع الأسعار العمال إلى المطالبة بأجور أعلى، فيما ترفع الشركات أسعار منتجاتها استباقاً لتكاليف مستقبلية متوقعة، بما يخلق دورة يصعب كسرها لاحقاً.

وفي موازاة ذلك، برز التوسع المتسارع في قطاع الذكاء الاصطناعي بوصفه عاملاً جديداً يضيف ضغوطاً على الاقتصاد.

فالتوسع الكبير في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على الكهرباء والمعدات والعمالة المتخصصة، كما يؤدي الطلب القوي على الكهربائيين والميكانيكيين والمهندسين إلى زيادات ملحوظة في أجور هذه الفئات.

ويضع هذا الواقع الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة معقدة تجمع بين مؤشرات تباطؤ التضخم من جهة، ومخاطر عودة ضغوط الأسعار بفعل الطاقة والحرب والاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى.

كما يعكس محضر الاجتماع استمرار الانقسام داخل المؤسسة النقدية بشأن توقيت التحرك المقبل. فبينما يفضل بعض المسؤولين انتظار مزيد من البيانات للتأكد من استمرار تراجع التضخم، يرى آخرون أن التحرك المبكر قد يكون أقل كلفة من الانتظار حتى تتجذر موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.

وأظهر القرار الذي اتخذه الاجتماع تثبيت سعر الفائدة ضمن نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%، لكن وجود ثلاثة أصوات مؤيدة للرفع كشف عن مستوى غير معتاد من التباين داخل لجنة السياسة النقدية، فيما بقي الباب مفتوحاً أمام تشديد جديد إذا جاءت بيانات التضخم المقبلة مخالفة للتوقعات.

وفي جانب آخر، ناقش رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش إمكانية تقليص عدد اجتماعات السياسة النقدية السنوية من ثمانية إلى ستة اجتماعات، بهدف إتاحة فترة أطول لتراكم المعلومات الاقتصادية بين كل اجتماع وآخر ومنح المسؤولين وقتاً إضافياً للنظر في القضايا الاستراتيجية المتعلقة بالسياسة النقدية.

ولم يُتخذ قرار نهائي بشأن هذا المقترح، لكنه يعكس توجهاً نحو إعادة النظر في آلية إدارة السياسة النقدية، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة حالة من عدم اليقين الاقتصادي الناتج عن استمرار التضخم واضطرابات أسواق الطاقة والتغيرات التي يفرضها التوسع السريع في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى