العلاقات بين واشنطن وسلطنة عُمان تواجه مرحلة من التوتر المتصاعد

تواجه العلاقات بين الولايات المتحدة وسلطنة عُمان مرحلة من التوتر المتصاعد، بعدما وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديدات مباشرة بقصف السلطنة إذا عرقلت ما وصفه بجهود واشنطن لإنهاء الحرب مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز، في تصعيد يضع مسقط أمام اختبار صعب لسياسة التوازن التي حافظت عليها لعقود بين واشنطن وطهران.

ويأتي التهديد الأمريكي في وقت تواصل فيه عُمان جهودًا دبلوماسية للتوصل إلى تفاهمات مع إيران بشأن ترتيبات الملاحة والإدارة المستقبلية لمضيق هرمز، الممر البحري الاستراتيجي الذي تتقاسمه السلطنة مع الجمهورية الإسلامية، ويشكل أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية.

وبحسب وسائل إعلام أمريكية فإن الخلاف بين واشنطن وطهران امتد إلى تفسير ترتيبات سابقة جرى التوصل إليها بشأن المضيق، بعدما اعتبرت إيران أن صياغة الاتفاق تمنحها دورًا في إدارة الممر المائي، فيما أصرت الولايات المتحدة على أن المقصود هو ضمان حرية الملاحة ومنع استخدام المضيق أداة للضغط السياسي والعسكري.

وشكّل هذا الخلاف أحد أسباب انهيار مذكرة التفاهم المؤقتة التي تم التوصل إليها في إسلام آباد، والتي كانت تهدف إلى توفير إطار لوقف الحرب وفتح الطريق أمام مفاوضات أوسع بشأن الملف النووي والعلاقات بين واشنطن وطهران.

وبينما تحاول عُمان الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الطرفين، أثارت تصريحات ترامب غضبًا في مسقط، خصوصًا أنها تضمنت تهديدًا باستخدام القوة ضد دولة ترتبط بالولايات المتحدة بعلاقات تاريخية واستراتيجية تمتد إلى ما يقارب قرنين.

وتعود العلاقات الرسمية بين البلدين إلى القرن التاسع عشر، فيما كانت عُمان من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقات مع الولايات المتحدة. كما حافظت السلطنة على تعاون أمني وعسكري واقتصادي وثيق مع واشنطن، من دون أن يمنعها ذلك من الاحتفاظ بعلاقات مستقرة ومباشرة مع إيران.

غير أن هذا التوازن الذي شكل أساس السياسة الخارجية العُمانية يواجه اليوم أحد أصعب اختباراته، في ظل الحرب والتصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران، والضغوط المتزايدة على مسقط لتحديد موقفها بصورة أكثر وضوحًا.

وتتمسك عُمان بموقف يقوم على أن أمن مضيق هرمز لا يمكن فصله عن أمنها الوطني، إذ يشكل الممر البحري حدودًا مباشرة لأراضيها، وخاصة محافظة مسندم، ما يجعل أي مواجهة عسكرية أو اضطراب طويل الأمد في المنطقة تهديدًا مباشرًا للسلطنة.

وأكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي التزام بلاده بأمنها البحري ورفضها التصعيد والصراع، مشددًا على أن تحقيق أمن مستدام في المضيق يتطلب سلامًا إقليميًا طويل الأمد قائمًا على الحوار وضبط النفس والدبلوماسية.

لكن واشنطن تبدو أقل استعدادًا لتقبل استقلالية الدور العُماني عندما تتعارض مع رؤيتها لإدارة الأزمة مع إيران، إذ جاء تهديد ترامب بالقصف ليكشف حدود الشراكة الأمريكية مع حلفائها عندما يتعلق الأمر بالمصالح الاستراتيجية والسيطرة على الممرات البحرية.

ويرى دبلوماسيون ومحللون أن الولايات المتحدة نفسها لا تستطيع تجاوز الدور العُماني، بالنظر إلى قدرة مسقط على التواصل مع طهران، وسجلها الطويل في الوساطة بين إيران وخصومها، بما في ذلك المساهمة في الإفراج عن مواطنين أمريكيين احتجزتهم السلطات الإيرانية والمشاركة في مفاوضات إقليمية معقدة.

ومع ذلك، تتعرض سياسة الحياد العُمانية لانتقادات أمريكية متزايدة، إذ يرى بعض المسؤولين السابقين في واشنطن أن مسقط اقتربت من بعض المواقف الإيرانية خلال الأزمة الحالية، بينما تؤكد السلطنة أن تحركاتها تنطلق من حماية سيادتها ومصالحها الوطنية ومنع تحول مضيق هرمز إلى ساحة حرب مفتوحة.

وتكشف الأزمة الحالية عن المأزق الذي تواجهه عُمان بين قوتين لا تستطيع التخلي عن أي منهما. فالعلاقة مع الولايات المتحدة تمثل ركيزة أمنية واقتصادية مهمة، بينما تجعل الجغرافيا والعلاقات السياسية مع إيران من المستحيل على مسقط تجاهل مصالح جارتها الشمالية أو الدخول في مواجهة معها.

وتبدو الخيارات أمام السلطنة محدودة، إذ إن الانحياز الكامل إلى واشنطن قد يهدد علاقاتها مع طهران ويعرض أمنها لمخاطر مباشرة، في حين أن الاقتراب أكثر من إيران قد يؤدي إلى مزيد من التوتر مع الولايات المتحدة.

ولهذا، لا يبدو أن مسقط تمتلك ترف التخلي عن دور الوسيط، حتى في ظل الضغوط والتهديدات الأمريكية. فالدبلوماسية بالنسبة إلى عُمان ليست مجرد خيار سياسي، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية بقائها في منطقة تحيط بها الصراعات والتنافسات الإقليمية.

وبين تهديدات واشنطن ومحاولات طهران تثبيت نفوذها في مضيق هرمز، تجد عُمان نفسها مجددًا في موقع الوسيط الذي يحاول منع الانفجار، لكن هذه المرة وسط ضغوط مباشرة من حليف أمريكي لم يتردد رئيسه في استخدام لغة التهديد ضد دولة خليجية طالما أدت دورًا يخدم المصالح الأمريكية نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى